سياسة الإلهاء والحقوق المسلوبة
علي حربوش المسعودي
في المشهد العراقي اليوم، يبدو وكأن الحكومة قد أتقنت فن صناعة الأزمات. فهي لا تواجه المشكلة الأصلية، بل تبتكر مشاكل جديدة: ضرائب مفاجئة، گمارك خانقة، استقطاعات من الرواتب. هذه الأزمات ليست حلولاً، بل أدوات لإشغال الناس وإرهاقهم، حتى إذا ارتفع صوت الشارع بالاحتجاج، يخرج المسؤولون ببيانات استنكار ووعود براقة: «سنلغي الضرائب، سنعيد الرواتب.» فيصفق الناس وكأنهم استعادوا حقوقهم، بينما الحقيقة أن الجرح العميق ما زال ينزف.
ذلك الجرح هو البطالة التي تفتك بالشباب، وقلة السكن التي تحاصر العائلات، ونقص المدارس الذي يسرق المستقبل، وغياب المستشفيات والخدمات الذي يهدد الحياة اليومية. هذه هي القضايا الجوهرية، لكن يتم تركها في الظل، بينما تُسلّط الأضواء على مشاكل وقتية يمكن حلها بقرار سريع، فيبدو وكأن هناك إنجازاً.
من زاوية فلسفية، هذا أشبه ببرمجة عقلية: أن يتعوّد الإنسان على الألم القديم، أن يتعايش معه، بل أن يقبله لأنه صار مألوفاً.
ومن زاوية منطقية، هذا ليس حلاً، بل إعادة إنتاج للأزمة نفسها، مع تغيير في الإخراج فقط.
الناس، في هذه اللعبة، يصبحون جزءاً من السيناريو دون وعي. يطبّلون، يمدحون، يبحثون عن منافع شخصية، بينما المسرح يعيد نفسه كل أربع سنوات.
وهكذا، تُدفن البطالة وقلة الخدمات تحت ركام الأزمات اليومية، ويُترك المواطن يتعايش مع نقص السكن والمدارس والمستشفيات وكأنها قدر لا يُرد.
إنها ليست مجرد سياسة، بل فلسفة حكم تقوم على الإلهاء. والوعي هو السلاح الوحيد الذي يمكن أن يكسر هذا السيناريو، ويعيد البوصلة إلى الجذور، حيث تكمن الحقيقة.