الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجغرافيا الاقتصادية للعراق: بين ثراء الطبيعة وصراعات السياسة

بواسطة azzaman

الجغرافيا الاقتصادية للعراق: بين ثراء الطبيعة وصراعات السياسة

محمد خليل جاسم العباسي

 

حين ننظر إلى خارطة العراق، لا نرى مجرد حدود سياسية أو تضاريس طبيعية، بل نقرأ قصة بلد يجلس على مفارقة عميقة؛ أرضٌ أنجبت أولى الحضارات، وأنهارٌ سقت الزراعة لآلاف السنين، وثروات نفطية تُعد من الأكبر عالميًا، ومع ذلك يعيش جزء كبير من سكانه قلق الفقر وعدم الاستقرار. هنا تحديدًا تتجلى الجغرافيا الاقتصادية للعراق، لا كعلم جامد، بل كحكاية تداخلت فيها الطبيعة مع السياسة، والفرص مع الإخفاقات. فالعراق يمتلك كل مقومات الاقتصاد القوي نظريًا، لكن واقعه الاقتصادي ظل هشًا، متأرجحًا مع أسعار النفط ومتأثرًا بصراعات الداخل وضغوط الجوار.

النفط، الذي يُفترض أن يكون رافعة التنمية، تحوّل إلى العمود الفقري المشوَّه للاقتصاد العراقي. احتياطيات هائلة تتوزع بين البصرة وكركوك ومناطق أخرى، جعلت الدولة تعتمد عليه اعتمادًا شبه كلي، حتى أصبح المصدر الرئيس لإيرادات الموازنة وللناتج المحلي. هذا الاعتماد المفرط لم يخلق ازدهارًا مستدامًا، بل رسّخ اقتصادًا ريعيًا أحادي الجانب، هشًا أمام تقلبات السوق العالمية، وأضعف الزراعة والصناعة، وفتح أبوابًا واسعة للفساد وسوء توزيع الثروة. ومع كل انخفاض في أسعار النفط، تنكشف هشاشة هذا النموذج، ويشعر المواطن بأن ثروة الأرض لا تنعكس على حياته اليومية.

وفي موازاة النفط، يقف الماء بوصفه شريان الحياة التاريخي للعراق. دجلة والفرات لم يكونا مجرد نهرين، بل أساس نشوء الدولة الزراعية الأولى، وعماد الأمن الغذائي لملايين العراقيين. إلا أن هذا المورد الحيوي بات اليوم مهددًا؛ سدود دول المنبع، وتراجع الحصص المائية، وسوء الإدارة الداخلية، وتغير المناخ، كلها عوامل جعلت الزراعة تعاني، ودفعت مساحات واسعة نحو التصحر، وأجبرت كثيرًا من المزارعين على ترك أراضيهم والهجرة إلى المدن، ما فاقم مشكلات البطالة والضغط الحضري.

أما موقع العراق الجغرافي، فهو من أكثر عناصره إغراءً اقتصاديًا. بلد يتوسط آسيا وأوروبا، ويطل على الخليج العربي، ويملك منافذ برية وبحرية تؤهله ليكون عقدة تجارة ونقل إقليمي. لكن هذه الميزة تحولت إلى فرصة معطلة؛ الحروب المتتالية، والعقوبات، وضعف البنية التحتية، وعدم الاستقرار الأمني، جعلت العراق خارج معادلة الممرات التجارية الكبرى، بينما استفاد جيرانه من أدوار كان يمكن أن تكون عراقية بامتياز.

كل ذلك انعكس على الخريطة الاقتصادية الداخلية، فبرز تباين إقليمي واضح؛ إقليم كردستان استطاع، نسبيًا، استثمار قدر من الاستقرار لجذب الاستثمار، في حين بقيت محافظات الوسط والجنوب، رغم ثرواتها، تعاني ضعف الخدمات وارتفاع البطالة، وتعرضت مناطق الغرب لمزيج من التهميش والتصحر وآثار الصراع. هذه الفجوات لم تكن جغرافية فقط، بل سياسية وتنموية، غذّتها بنية تحتية متهالكة وفساد إداري أفرغ الموارد من مضمونها التنموي، وجعل البيئة نفسها، من ماء وهواء وتربة، تدفع ثمن الإهمال والتلوث. ورغم هذا المشهد المعقد، فإن الجغرافيا الاقتصادية للعراق لا تزال تحمل أملًا مؤجلًا لا مفقودًا. فتنويع الاقتصاد لم يعد خيارًا نظريًا بل ضرورة وجودية، عبر إعادة الاعتبار للزراعة والصناعة التحويلية والسياحة الدينية والأثرية، والاستثمار الجاد في موقع العراق كممر إقليمي للنقل والطاقة، وإدارة الموارد المائية بعقلانية داخلية ودبلوماسية خارجية فاعلة، إضافة إلى استغلال المساحات الصحراوية الواسعة في مشاريع الطاقة الشمسية، بدل تركها عبئًا بيئيًا واقتصاديًا.

في النهاية، لا يمكن القول إن مشكلة العراق تكمن في جغرافيته، بل في كيفية التعامل معها. فهذه الأرض منحت الدولة كل ما تحتاجه لتكون قوية ومزدهرة، لكن تحويل هذه الهبة الطبيعية إلى رفاه حقيقي يتطلب ما لا تظهره الخرائط: إرادة سياسية صادقة، وإدارة رشيدة، ورؤية تنموية طويلة النفس. عندها فقط، يمكن أن تتحول الجغرافيا الاقتصادية للعراق من سجلٍ للخسارات المؤجلة إلى خريطة طريق نحو الاستقرار والازدهار.

 

جامعة سامراء 


 


مشاهدات 75
الكاتب محمد خليل جاسم العباسي
أضيف 2026/01/25 - 3:02 PM
آخر تحديث 2026/01/26 - 4:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 117 الشهر 19557 الكلي 13526980
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير