كيف تموت الجامعات ؟
احمد طلال البدري
يذهب الكاتب بيتر فليمنغ ( peter fleming) في كتابه الموسوم اكاديميا مظلمة (dark academia) الى ان الادارات العليا قد تبنت بشكل منهجي ولاسباب سياسية ومالية مختلفة مذاهب ادارة تختزل الاكاديميين في شكل كائنات اقتصادية تبحث عن الربح والمال ، وهذا دفع الطبقة السياسية والجهلة من العوام الى استهداف الاكاديميين والحط من قدرهم ، بعد ان كان ينظر للاستاذ الجامعي في الاوساط الاكاديمية سابقاً بنظرة احترام وتقدير واعتبرت وظيفة الاستاذ الجامعي من افضل الوظائف في العالم ، كونها تعزز الاستقلالية والاحترافية والرضا الوظيفي والحماس المهني ، وانتهى بها المطاف الى وظيفية تقاس بمقياس اقتصادي ورجحان الادارات والطلاب كمستهلكين لخدمة التعليم ومقيمين للاستاذ الجامعي .
وظيفة اكاديمية
حيث تحولت النظرة للوسط الاكاديمي الى اقتصاد السوق وان الاستاذ هو الخاسر الوحيد ، حيث بدأ التقليل من اهمية الشهادات العليا والوظيفة الاكاديمية التي يقوم بها الاستاذ الجامعي من التسلسلات الهرمية البيروقراطية التي تسيطر على الادارة العليا ، وهذا ماحصل لدينا بالفعل في العراق ، فمع اول اعلان لاخفاق السياسة المالية للحكومة ، نتيجة سوء ادارة الموارد والثروات القومية لسنوات طويلة، ونتيجة للفساد المستشري والسرقات الكبرى وتبديد المال العام ، تم اصدار عدة قرارات من مجلس الوزراء بناء على توصية المجلس الاقصادي الوزاري واخرها قرار مجلس الوزراء بالعدد (40) لسنة 2026 الذي تضمن في الفقرة (ثالثاً) منه حجب مخصصات الخدمة الجامعية عن مستحقيها من حملة الشهادات العليا غير المفرغين للتدريس والموظفين الاداريين والفنيين العاملين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعاتها ، ومن المعلوم ان هذه المخصصات ممنوحة بموجب قانون الخدمة الجامعية رقم (23) لسنة 2008 المعدل ولايمكن حجبها بقرار اداري ، فالقانون لايلغى ولايعدل الابقانون ، وبالتالي فان هذا القرار معيب بعيب مخالفة القانون من جانب ومن جدانب اخر معيب بعيب عدم الاختصاص الجسيم لان فيه تعدي على اختصاص السلطة التشريعية ، وبذلك يكون القرار قد بلغ من عدم مشروعيته بمبلغاً يهوى به الى وادي الانعدام ، والسؤال المطروح لماذا المخصصات الجامعية ؟ ولماذا الاستاذ الجامعي اول من يستقطع منه ؟
هيئات مستقلة
وهنالك العشرات من المخصصات المصروفة لطوائف معينة من الموظفين ومن بينهم موظفي مجلس الوزراء والامانة العامة لمجلس الوزراء وموظفي مجلس النواب اضافة لمخصصات النواب والوزراء وذوي الدرجات الخاصة ورؤساء الهيئات المستقلة واعضاء المجالس في الهيئات كمجلس الخدمة الاتحادي وديوان الرقابة المالية ومخصصات هيئة النزاهة ووزارة النفط ووزارة المالية وغيرها من انواع المخصصات ، والسبب يرجع الى الاستهانة بالاكاديميين من قبل الطبقة السياسية ، وهذا يمكن استجلائه من تصريحات بعض السياسيين الذين يسخرون من حملة الشهادات العليا في حين ان سبب ازمة التعليم العالي في العراق ترجع للقرارات التي اتخذها البرلمان ذاته بالتصويت على قانون (20) لسنة 2020 سيىء الصيت دون الرجوع الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتي كانت متحفظة على القانون المذكور .وهذا القانون ينطوى على انحراف تشريعي لانه شرع بالظاهر لتنظيم معادلة الشهادات ، ولكنه في باطنة مقرر لاعضاء البرلمان والطبقة السياسية وكان حرياً ان يلغى من المحكمة الاتحادية العليا بسبب هذا العيب الجسيم في القانون ، حيث سمح للنواب والوزراء والدرجات الخاصة من الدراسة اثناء التوظيف بعد ان كان هذا الامر محضوراً فسمح ذلك باكمال دراساتهم العليا وهو يشغلون هذه المناصب وتم معادلتها واحتسابها لهم ، كما الغى القانون المذكور او قلص مدد الاقامة في بلد الدراسة وبذلك سمح ضمنياً بالحصول على شهادات عليا بالمراسلة ، كما سمح بمعادلة واحتساب الشهادات العليا من جامعات غير رصينة ، وحتى بدون اجازة دراسية ، فضلاً عن استخدام التعيينات في الجامعات كجزء من الدعايات الانتخابية بحجة انصاف هذه الطبقة من حملة الشهادات العليا ، الانهم يتعرضون الان بمايسمى باستراتيجات ادارة الازمات بفعل الصدمة بسبب سحب امتيازاتهم المالية المقررة بموجب القانون ، ان الاصلاح المالي والاقتصادي لايتم وفقاً لما يعرف بسياسة اطفاء الحرائق او القرارات الانية لمواجهة المشاكل والازمات وانما عبر التخطيط الطويل والنظرة الاقتصادية البعيدة .
كما يجب ان يكون الاصلاح تدريجي للتخفيف من اثر الصدمة وشامل كل فــــــــــــئات الموظفين وبدأ بالوزراء والنواب وموظفي الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة ونزولاً وليس العكس ، على ان يسبق ذلك اجراءات شفافة لمعرفة الايرادات واوجه الانفاق ومصير المبالغ الكبيرة المفقودة ...والله ولي التوفيق.