الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف بدأت مرحلة التنفيذ في مشروع الغاز العراقي؟

بواسطة azzaman

كيف بدأت مرحلة التنفيذ في مشروع الغاز العراقي؟

مجاشع التميمي

 

لأكثر من عقدين، أُدير ملف الغاز الطبيعي في العراق بعقلية ثانوية، لا بعقلية دولة تمتلك مورداً سيادياً استراتيجياً. الغاز كان يُحرق، أو يُهمل، أو يُستعاض عنه بالاستيراد، في مفارقة اقتصادية وسيادية فاضحة. هذا النهج لم يكن مجرد خطأ فني، بل انعكاس لغياب رؤية طويلة الأمد في إدارة الطاقة. اليوم، يمكن القول إن هذا المسار بدأ يتغير فعلياً، وبشكل عملي، عبر خطوات تقودها وزارة النفط لإعادة بناء سياسة غاز وطنية.

التحول الأبرز يتمثل في حقل عكّاس الغازي غرب العراق. ففي يوم الثلاثاء 13-1-2026، باشرت شركة شلمبرجير (SLB) الأميركية عمليات الحفر الفعلي داخل الحقل، بعد استكمال التحضيرات اللوجستية ونقل المعدات الثقيلة ونصب أبراج الحفر. هذه الخطوة تؤكد أن المشروع انتقل من مرحلة العقود والتصريحات إلى التنفيذ الميداني، وهو فارق جوهري في السياق العراقي. كما أن إشراك شركات صينية خدمية وإنشائية إلى جانب الشركة الأميركية يعكس نموذج شراكة معقّد، يجمع الخبرة التقنية الغربية بالقدرات التنفيذية الآسيوية، تحت إشراف الدولة العراقية.

انتاج مرحلة

المرحلة الأولى من مشروع عكّاس تشمل حفر خمسة آبار غازية، بمعدل إنجاز يقارب 45 يوماً للبئر الواحدة، ما يعني إتمام هذه المرحلة خلال عام 2026. ومن المتوقع أن يبلغ إنتاج هذه المرحلة نحو 100 مليون متر مكعب قياسي من الغاز يومياً. هذا الإنتاج سيُوجَّه أساساً لتشغيل محطة عكّاس الغازية، ثم محطة الأنبار، بهدف استثمار الغاز محلياً وتقليل الاعتماد على الوقود السائل والغاز المستورد، من دون المبالغة في ربطه فوراً بأرقام توليد كهربائي كبيرة.

أما التحول الحقيقي على مستوى منظومة الطاقة الوطنية، فيرتبط بالمرحلة الثانية من المشروع، المقررة في عام 2027. في هذه المرحلة، سيتم حفر آبار إضافية ورفع الطاقة الإنتاجية للحقل إلى نحو 400 مليون متر مكعب قياسي من الغاز الصافي يومياً، مع توسعة مرافق المعالجة واستكمال البنى التحتية الناقلة. عند هذا المستوى من الإنتاج والاستقرار التشغيلي.

يصبح بالإمكان رفد الشبكة الوطنية للطاقة الكهربائية بنحو 1000 ميغاواط يومياً، وهو رقم ذو دلالة استراتيجية في بلد يعاني عجزاً مزمناً في الكهرباء.

قد يُطرح اعتراض مشروع يتعلق بعدم اكتمال منظومة الأنابيب الناقلة للغاز. هذا الاعتراض صحيح من الناحية الفنية، لكنه لا يُلغي جوهر التحول. فوزارة النفط تتعامل مع هذا التحدي بمنهج مرحلي واقعي:

تشغيل الإنتاج وربطه بالمحطات القريبة أولاً، بالتوازي مع استكمال خطوط النقل والتجميع. هذا الأسلوب يعكس انتقالاً من عقلية التعطيل بانتظار “الجاهزية الكاملة” إلى عقلية الإدارة المرحلية الفاعلة.

في الجنوب، يكتمل المشهد عبر اتفاق وزارة النفط مع شركة «إكسيليريت إنرجي» الأميركية لتنفيذ أول منصة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تحويله إلى غاز في البصرة. هذا المشروع لا يمثل حلاً طارئاً أو إسعافياً فقط، بل مؤشر على دخول العراق أدوات حديثة ومرنة في إدارة ملف الغاز، بما يتيح التعامل مع ذروة الطلب والاختناقات الموسمية، إلى حين اكتمال مشاريع الإنتاج والمعالجة الوطنية.

الخلل التحليلي الشائع هو اختزال الغاز في كونه ملفاً اقتصادياً بحتاً. هذا توصيف قاصر. الغاز اليوم عنصر مركزي في معادلة أمن الطاقة العالمي. بعد حرب أوكرانيا، أعادت أوروبا صياغة أولوياتها الطاقوية، والولايات المتحدة تستخدم الغاز أداة نفوذ جيوسياسي، فيما تتصاعد المنافسة الإقليمية على خطوط الإمداد والأسواق. في هذا السياق، فإن دخول العراق الجاد إلى خريطة الغاز ليس ترفاً ولا خياراً سياسياً مؤجلاً، بل ضرورة استراتيجية.

العراق يمتلك المورد، وبدأ يمتلك الشراكات، وما تقوم به وزارة النفط اليوم يعكس تحوّلاً في التفكير المؤسسي، من إدارة أزمات موسمية إلى بناء سياسة طاقة. لكن النجاح ليس مضموناً تلقائياً. الامتحان الحقيقي يكمن في حماية مشاريع الغاز من التجاذبات السياسية، ومنع المحاصصة من اختراق هذا الملف الحساس، وتوفير غطاء أمني وسياسي ثابت للشركات العاملة.

إذا أُدير ملف الغاز بعقل الدولة، وبمنطق الأمن الوطني، يمكن أن يتحول من نقطة ضعف تاريخية إلى مصدر قوة وسيادة. أما إذا عاد رهينة الفوضى والتردد، فستُهدر الفرصة كما أُهدرت فرص سابقة. ما يجري اليوم في عكّاس والبصرة هو بداية مسار صحيح، يستحق الدعم لا المزايدة، لأنه يمسّ صميم أمن العراق الطاقوي ومستقبله الاستراتيجي.

 


مشاهدات 52
الكاتب مجاشع التميمي
أضيف 2026/01/17 - 4:09 PM
آخر تحديث 2026/01/18 - 12:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 6 الشهر 12979 الكلي 13120402
الوقت الآن
الأحد 2026/1/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير