التاريخ لا يصافح الوجوه الشاحبة
ثامر محمود مراد
ليس الزمن نهراً يمضي وحده، بل كائنٌ خفيّ يراقبنا من شرفاته العالية. يبدو في عيون المترددين قمّةً بعيدة، تلوح ولا تُنال، كنجمةٍ معلّقة في سقف العتمة. غير أنّه، في لحظاتٍ نادرة، ينحني قليلاً… كأنّه يختبر نبض القلوب.
هناك من يمرّ تحت ظلاله خائفاً، يكتفي بتتبّع آثاره على الرمال، ويظنّ أن الطريق مرسومٌ سلفاً لا يتبدّل. وهناك من يرفع رأسه، يمدّ كفّه إلى ذلك الأفق، غير عابئٍ بارتجاف الأصابع. هؤلاء لا ينتظرون أن تُفتح لهم الأبواب؛ بل يطرقونها حتى تتعب المفاتيح من عنادها.
الزمن لا يصافح الوجوه الشاحبة، ولا يلتفت إلى العابرين بصمتٍ ثقيل. إنّه يميل نحو من يشعل في صدره شرارة، نحو من يرى في الغد بذرةً لا بد أن تُزرع الآن. حينها فقط، تتشابك الأيدي بين الحاضر والآتي، ويصبح البعيد خطوةً أخرى على دربٍ بدأ بالإقدام.
وهكذا، لا يبقى الماضي كتاباً مغلقاً، بل يتحوّل إلى صفحةٍ تنتظر من يكتب عليها اسمه بجرأة.