الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من مشكلة الموارد إلى أزمة الإدارة العامة

بواسطة azzaman

الإقتصاد العراقي إلى أين ؟

من مشكلة الموارد إلى أزمة الإدارة العامة

إسماعيل محمود العيسى

 

في محاضرة لافتة، وضع الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئاسة الوزراء، يده على جوهر المعضلة الاقتصادية التي يواجهها العراق في المرحلة المقبلة؛ مبيّنًا أن الأزمة ليست وليدة اليوم، ولا يمكن اختزالها بتقلبات أسعار النفط أو شح الإيرادات، بل هي أزمة بنية إنفاق وإدارة أصول وسياسات عامة مؤجلة.أزمة بدأت منذ 2015 ولم تُغلقبحسب المحاضرة، فإن البداية الفعلية للأزمة المالية تعود إلى عام 2015، حين تزامن انهيار أسعار النفط مع توسع كبير في الإنفاق الحكومي. ومنذ ذلك التاريخ، دخل العراق في حلقة ديون داخلية متراكمة بلغت اليوم نحو 92 تريليون دينار عراقي.

لكن الخطورة لا تكمن في الرقم وحده، بل في طبيعة الدين ذاته؛ إذ إن الدائن والمدين هما من الجهة الحكومية نفسها، ما يجعل أدوات المعالجة التقليدية عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي.

الرواتب: أكبر بند وأضعف عائد

الإنفاق الحكومي، وبالأخص بند الرواتب، يشكّل العصب الأخطر في المالية العامة. فالدولة تنفق قرابة 92 تريليون دينار سنويًا على الرواتب، يستفيد منها ما بين 9 إلى 10 ملايين شخص، في رقم مرشح للازدياد المستمر.

هذا الواقع يطرح سؤال سياسة عامة جوهري:

سياسة نقدية

هل ما زالت الدولة قادرة على الاستمرار بوصفها “ربّ العمل الأكبر”، أم أن هذا النموذج استنفد طاقته؟ السياسة النقدية: استقرار ظاهري ومخاطر كامنة

أشار الدكتور صالح إلى أن نحو 50بالمئة من السيولة النقدية تمثل ديونًا للحكومة تجاه البنك المركزي العراقي، وأن العملة المحلية ما زالت مغطاة بالعملة الأجنبية، ما يمنح النظام النقدي قدرًا من الاستقرار.

غير أن هذا الاستقرار يخفي خلفه ظاهرة الاكتناز التحوطي، الناتجة عن ضعف الثقة بالبيئة الاقتصادية، وهو ما يقلّل من دوران النقد ويحدّ من النشاط الإنتاجي.

أصول الدولة: الثروة المعطّلة

من أهم ما طُرح في المحاضرة أن الحكومة العراقية تمتلك أصولًا ضخمة غير منتجة، يمكن – نظريًا – تحويلها إلى أدوات دعم مالي وتنموي، بل وحتى إشراك البنك المركزي في إدارتها أو تملكها، شريطة إجراء تكييف قانوني ومالي دقيق يحفظ استقلالية السياسة النقدية.

وهنا تبرز فجوة سياسات واضحة:

الدولة غنية بالأصول، لكنها فقيرة في إدارتها.

الكهرباء… مثال صارخ على الخلل

قطاع الكهرباء قُدِّم بوصفه نموذجًا للكلف الثابتة الخطيرة؛ إذ تدفع الدولة ما يقارب 20 ترليون دينار سنويا، بينما لا يتجاوز المردود الحقيقي مليار دينار عراقي.

هذا الفارق لا يعكس أزمة تمويل، بل أزمة حوكمة وهيكل دعم غير مستدام، ما يجعل أي إصلاح مالي بلا معالجة هذا الملف إصلاحًا منقوصًا.

الضرائب ليست عصا سحرية

في رد واضح على الطروحات الشائعة، شدّد الدكتور صالح على أن الضرائب لا يمكن أن تكون حلًا للأزمة المالية في بلد ريعي كالعراق، خصوصًا إذا فُرضت قبل بناء قطاع إنتاجي فعّال.

فرض الضرائب في اقتصاد هش قد يؤدي إلى:

ضغط اجتماعي إضافي؛

توسيع الاقتصاد غير الرسمي؛

إيرادات محدودة لا ترقى لحجم الأزمة.

من دولة إنفاق إلى دولة إنتاج

الخلاصة التي يمكن استخلاصها من المحاضرة أن الطريق الآمن يمر عبر تشجيع القطاع الخاص، وتحويل دور الدولة من مشغّل مباشر إلى منظّم ومحفّز.

كما أن التعزيز المالي الحقيقي لا يتحقق عبر التقشف أو الضرائب، بل من خلال:

تحويل الأصول غير المنتجة إلى منتجة؛

إعادة هيكلة الشركات العامة؛

كسر حلقة الرواتب بوصفها الحل الوحيد للتوظيف.

مما تقدم نستنتج أن ما يواجهه العراق اليوم ليس نقصًا في المال، بل نقصًا في الرؤية المؤسسية، الأزمة المالية؛ كما تبدو هي نتيجة تراكم خيارات مؤجلة، ومعالجات جزئية، وتأجيل مستمر للأسئلة الصعبة.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن:

هل نملك الشجاعة للانتقال من إدارة الأزمة… إلى إدارة الدولة!

 

 


مشاهدات 44
الكاتب إسماعيل محمود العيسى
أضيف 2026/01/26 - 4:20 PM
آخر تحديث 2026/01/27 - 2:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 20283 الكلي 13527706
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير