الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين المطرقة والسندان

بواسطة azzaman

بين المطرقة والسندان

قصي زاهد

 

(النار ستحرق الجميع) لم تكن عبارة عابرة، بقدر ما بدت توصيفًا دقيقًا لحالة تتفاقم داخل منظومة الكرة العراقية. تصريح أطلقه رئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم، عدنان درجال، في توقيت بالغ الحساسية، ليضع المشهد الإداري برمّته أمام أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها. فالأزمات لم تعد طارئة، ولا القرارات المؤجلة استثناءً، بل تحولت إلى نمط متكرر يعكس ارتباكًا في الرؤية وتعثرًا في إدارة الملفات الأساسية.

إحدى أبرز أزمات الاتحاد تجلّت في غياب إطار استراتيجي واضح لإدارة المنتخبات الوطنية، سواء في آليات اختيار الأجهزة الفنية أو في معايير التقييم والاستمرارية. هذا الفراغ انعكس في قرارات اتسمت بالتأخير أو عدم الاكتمال، ما أوجد حالة من الضبابية في المشهد العام، وترك الشارع الرياضي أسير التساؤلات والتكهنات، بدل أن يقف أمام مسار إداري واضح ينسجم مع حجم المؤسسة ومسؤولياتها.

وفي موازاة ذلك، شكّلت الخلافات داخل المكتب التنفيذي عبئًا إضافيًا على مسار العمل، لا بسبب وجودها بحد ذاتها، بل لطريقة التعامل معها. فالاختلاف، حين يُدار خارج أطره التنظيمية، يفقد طابعه الصحي ويتحوّل إلى عامل تعطيل. ومع انتقال بعض هذه الخلافات إلى العلن، تآكلت صورة الاتحاد وتراجع حضوره المؤسسي، في وقت كانت فيه الحاجة ماسّة إلى وحدة قرار وخطاب إداري متماسك.

هذا الانقسام الداخلي لم يبقَ حبيس المكاتب، بل انعكس مباشرة على المنتخبات الوطنية، التي وجدت نفسها تعمل في بيئة تفتقر إلى الاستقرار، ولا سيما خلال فترات تحضيرية مفصلية تتطلب أعلى درجات التركيز والانضباط. فغياب الانسجام في قمة الهرم الإداري سرعان ما يترك أثره في القاعدة، مهما بلغت كفاءة العناصر الفنية أو التزام اللاعبين. المنتخب الوطني، بوصفه الواجهة الأهم لكرة القدم العراقية، كان الأكثر تأثرًا بحالة الارتباك الإداري التي أحاطت بالمشهد العام. فتداخل التغييرات الفنية المتكررة مع غياب التخطيط بعيد المدى، وعدم وضوح الصلاحيات بين الاتحاد والأجهزة الفنية، أفقد عملية الإعداد توازنها، وجعلها رهينة المعالجات الظرفية بدل أن تستند إلى رؤية مستقرة. وفي هذا السياق، لم يعد الجمهور العراقي، المعروف بوعيه وارتباطه العميق باللعبة، ينظر إلى المشهد من زاوية النتائج وحدها، بل بات يضع أسلوب الإدارة وطريقة التواصل في صلب التقييم. فوضوح القرار وتماسك الخطاب وتوقيت المصارحة، أصبحت عناصر أساسية في بناء الثقة، ولا تقل أهمية عن أي نتيجة تتحقق على أرض الميدان. غير أن هذا الوعي الجماهيري المتقدم لم يجد حتى الآن ما يقابله على مستوى الأداء الإداري.

فآليات العمل داخل الاتحاد ما تزال أسيرة تراكمات قديمة، تتراوح بين خلل في البنية التنظيمية، وتداخل في الصلاحيات، ونمط إداري لم يعد منسجمًا مع متطلبات المرحلة. وهذه العوامل، مهما كانت جذورها، لا يمكن أن تبقى ذريعة لإدارة الواقع بالعقلية ذاتها. فالمشهد اليوم يحتاج انتقالًا واضحًا من توصيف المشكلة إلى التعامل معها، عبر إعادة ترتيب المسؤوليات، وتثبيت مبدأ المساءلة، وطرح رؤية عملية للمستقبل يمكن قياسها ومتابعتها. اليوم، يقف الاتحاد العراقي لكرة القدم عند مفترق طرق لا يحتمل مزيدًا من التردد. فإما أن تتحول هذه المرحلة الحرجة إلى فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتعزيز العمل المؤسسي، وفتح قنوات تواصل أكثر شفافية مع الشارع الرياضي، أو أن يستمر الشلل الإداري، بما يحمله من كلفة إضافية على صورة الكرة العراقية ومستقبلها القريب. وبين المطرقة المتمثلة في ضغوط الجماهير وتطلعاتها المشروعة، والسندان المتمثل في تعقيدات الداخل الإداري وتشابكات القرار، تبقى الحاجة ملحّة إلى قيادة أكثر وضوحًا وحسمًا، قادرة على اتخاذ خطوات عملية تعيد الثقة، وتؤكد أن المسار ما زال قابلًا للتصحيح… قبل فوات الأوان.


مشاهدات 35
الكاتب قصي زاهد
أضيف 2026/01/12 - 2:32 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 5:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 190 الشهر 9238 الكلي 13116661
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير