كيف تطفو الذاكرة ؟
كامل عبدالرحيم
قبل أيام قررت الذهاب لشراء قنينة شراب لعلني أحتفل بها في رأس السنة الميلادية، هناك محلان كبيران لبيع وتجهيز مثل تلك الرغبات المكبوتة، أحدهم غربي بغداد قرب نفق الشرطة وكان هو هدفي ويبعد قرابة 12 كيلومترا عن البيت، واخترت الذهاب إليه مشيا وربما كان مرامي أصلا هو المشي والتجوال. خرجت ويداي في جيوبي وفي بالي اختيار طريق المحلة 609 كونه الأهدأ والأقل زحمة بالناس والسيارات مبتدئا من زقاقه والذي يطل على الشارع العام فيمتد حتى بلوغ تقاطع سهام العبيدي وسيد الحليب.
لي ذكريات مع هذا الزقاق ومع تلك المحلة، حيث كان الباص رقم 30 بالطابقين يخترقه تاركا خلفه الطريق الرئيسي، وكنت أحب تلك العطفة فأراقبها من الطابق الثاني للباص، فأرى ربات البيوت ينشرن الغسيل والرجال الذين أحيلوا للتقاعد وهم يسقون حدائقهم بإسالة الماء الخام (الخابط).
وتبلغ متعتي أقصاها عندما ينعطف الباص نحو شارع الأميرات ومقترباته فتتسع الحدائق ومساحات البيوت لتصل إلى أكثر من2000 متر مربع، وقد استأجرت مرة واحدا من هذه البيوت عام 1991 تحول لاحقا إلى مقر للسفارة المصرية ومالكته امرأة ارستقراطية من بيت الهيمص.
في أيام الحرب الطائفية كنت أسلك هذا الزقاق كل يوم مبتعدا عن السيارات المفخخة والعبوات الناسفة التي لا يمر يوم الا نسمع أو نمر بواحدة منها وكون الشارع بعيدا عن الصراع الطائفي، رغم هذا حصل تفجير على الكنيسة المنيفة والتي تقع في نهاية الزقاق، تلك الكنيسة التي يرتفع في جبهتها صليب هائل الحجم بالغ الطول قد يكفي لصلب مئة مسيح، كنت أقصد حينها بائع الصحف والمجلات الشيوعي عند تقاطع سهام العبيدي وكممارسة للرياضة أيضا.
كانت فرصة إذن لمعاينة ما استجد في الزقاق إذ فارفته منذ عقد من السنين وفي بالي معلمان، الأول أسواق نجاة وأيضا ماذا حل بمحلات مختار محلة 609 الحاج أبو أحمد وكان قبل ثلاثة عقود موزع مواد البطاقة التموينية ولي معه حديث وذكرى، سأعود لأسواق نجاة ولأبي أحمد لاحقا ودعوني أتابع مسيرتي لهدفي وفي الطريق إليه عشرات العلامات فمررت بجامع المأمون وبحثت عن (حارسه) الذي كتبت عنه وصلة يوما ما بعنوان (حارس الجامع) حينما تم هدم الجامع من أجل تجديده فأقام هذا الحارس لفترة طويلة في الشارع ولا عمل له غير النظر بشكل منحرف للجامع، تم تجديد الجامع ولا أثر للحارس وهكذا مرورا بكنيسة تم تحديثها وجامع أعادوا بناء صليبه ومولات ومطاعم مستحدثة وشارع رئيسي أزال المقاول أرصفته ولما لم يقبض ماله تركه على حاله مخربا وهو الشارع الأهم في بغداد فبلغت نفق الشرطة واخترت الاستدارة على ساحته دورة كاملة واقتربت من هدفي وقد خططت الوصول إليه قبل منتصف النهار وقبل أن يتوافد الزبائن عليه ويفوتون علي متعتي البصرية. دخلت مول المشروبات فوجدته كسول الحركة بزبائن معدودين فاستثمرت الحال لجولة ومتعة بصرية متفرسا مدققا بالماركات ومناشئها ونسبة الكحول فيها ناهيك عن أسعارها بالضبط، تقاطعت مع شيخ مثلي ومعه معاون وسائقه وهذا الأخير يدفع بعربة تسوق، توقف الشيخ وهو يبتسم لي ويحاور معاونيه وبيده بطل ويسكي أراه أول مرة ومكتوب عليه (فخر الصناعة العراقية) وسعر القنينة عشرة آلاف دينار فقط، سألني مبتسما (شنو رأيك حجي) فأجبته (ألف عافية) اتسعت ابتسامته فبانت أسنانه التي نهشها الزمن بقسوته التي جربتها وتحولت إلى ضحكة وهو يشرك معي معاونيه (سآخذها للحوثيين) ابتسمت بدوري مثل الأبله وإن فهمت أنه يقصد عمالا أو حرسا عنده وتسميتهم بالحوثيين من باب البسالة وأيضا الفقر وتقبل كل شيء، تذكرت أو أعادني (الحوثيون) إلى أكثر من أربعين سنة عندما دعوت أصدقائي في يوم مثل هذه الأيام في مزرعة تعود لصديق في منطقة اليوسفية وكان عندي مجموعة عمال مصريين في تجارتي فجلبت اثنين منهم للمساعدة وخدمة الضيوف، عمال اثنان صعايده، مازلت أذكر اسميهما، محمد وسعيد فيهما كل صمت ونبل أهل الصعيد ولما اكتملت السهرة سألت الصعيدين (هل تشربان) فأجابا (لا يابيه) وفي النهاية شربا، الكبير منهم وهو طويل وضخم يذكرني بعاشور الناجي بطل (الحرافيش) تناول بطل عرق سرمهر ففتحه وشربه صرفا وربضة واحدة فلم يترك فيه إلا أقل من ربعه وذهب لينام، وفي الصباح نهض مثل كل يوم ليقوم بواجباته المعتادة ولم يتغير فيه شيء غير نظرته البلهاء فاعتورها ذكاء عابر.
أكملت جولتي متريثا مستمتعا برفوف المول الأنيقة بقنانينها الملونة مختلفة الأحجام والأشكال والألوان ونوعيات المسكرات وقريبا من صندوق الدفع انتبهت إلى مايشبه الخزانة، مثبتة على الحائط ومرتفعة عن أطول قامة لرجل، خزانة بمثابة قفص زجاجي مقفل وفي داخلها معروض قنان من الواضح أنها مميزة، اقتربت منها فقرأت لافتة تعريفية تقول( مشروبات الأسواق المركزية والسوق الحرة معتقة ) فهفت روحي إليها وهي تبحث عن مشروبي المفضل القديم والذي انقرض وتوقف انتاجه منذ زمن بعيد وهو ويسكي نوعية لوكان( Logan)، قبل أن اقترب تراقصت لناظري أرقام أو أسعار تلك المشروبات فبدا تحت قنينة اللوكان رقم قرأته 180، فقلت لنفسي إن كنت 180 ألف دينار أو 180 دولار سأقتنيك وأشتريك وأذبحك ليلة رأس السنة، اقتربت أكثر فاتضح الرقم لي وخاب أملي، كان سعر القنينة الواحدة 1800 $ أمريكي.
كان هذا النوع من الشراب الثقيل رفيقي تلك الأيام البعيدة فنحصل عليه بسعر لا يتجاوز السبعة دنانير ونحصل عليه بلا عناء من الأسواق المركزية وبعد فترة لاحقة من الأسواق الحرة حيث يجلبه لي