إعترافات هارب من الجحيم
عدنان أبوزيد
لقد التقيت، في الغرب، نماذجا عربية جدلية، فإذا بالليبي يقف كأمير صحراء، يلوك كلماته الخشنة ويصرّ: “نحن عمق العروبة في إفريقيا، دمرونا لأننا سند الأمة!”.
والسوري يتيه في أحلامه العتيقة، يهمس بجنون مقدس: “المؤامرة الكونية تطاردنا حتى لا تعود الفتوحات والاندلس!”.
أما اللبناني فيتمايل كطاووس في حديقة مهجورة، يرفع كأسه ويغني: “نحن باريس الشرق، سويسرا المتوسط، لو لم يحسدونا لكنا أجمل دولة في الكون!”.
والمغربي يرسم في الهواء قصورًا من الخيال، يبتسم بثقة: “نحن بوابة إفريقيا، حضارتنا تمتد آلاف السنين، الغرب يخاف من عودتنا الى أوربا!”.
ثم يأتي اليمني نبيًّا مشردًا يحمل سرًّا إلهيًّا، يزعم بثقة عمياء: “يكرهوننا لأننا أول من آمن!”.
والمصري ملكًا متوجًا بنرجيلته، ينفث دخان الأحلام الكاذبة ويتبجح: “أم الدنيا، جيشنا يكتسح الأعداء في يومين!”.
الجزائري يرقص مع أشباح النفط والغاز، كأنه ساحرٌ يحرك مصير الكواكب بوهم الثراء.
أما الصومالي، فمحفور الفقر على وجهه كندوبٍ أبدية، يتباهى بجنون: “نقرصن حتى حاملات الطائرات!”.
والعراقي، النرجسي الأبدي، يمشي كأن التاريخ يدور حوله وحده: “لولانا، ما عرف العالم القراءة والكتابة، ونحن اليوم مركز الكون وطاقته الروحية”.
هذه الأصوات المنتفخة، الواضحة في تناقضها الصارخ، تكشف جوهر الوهم العربي: تبجحٌ فارغ يغطي على هروبٍ جماعي من الواقع، كبرياءٌ وهميٌّ يمنع الاعتراف بالانهيار.
في أعماق المنفى، حيث تتسلل الغربة كسمٍّ بطيء يسري في العروق، عشتُ سنينًا طويلة أراقب شبحًا يتجول بيننا، شبحًا اسمه “العربي”.
ليس ذلك الشبح الذي يُرعب الأطفال في قصص الأجداد، بل شبحٌ نفسيٌّ عميق، يرتدي رداء الكبرياء الفارغ، ويهمس في آذاننا أساطيرَ من زمنٍ تلاشى كالدخان.
العربي – ذلك الكائن الذي يحمل في صدره بركانًا من العواطف المتأججة – يرقص على إيقاع أسطوانة مشروخة، تتكرر من المحيط إلى الخليج: “نحن خير أمة أخرجت للناس”.
هذه العبارة ليست مجرد كلمات، بل سجنٌ نفسيٌّ بناه التاريخ، يحول العقل إلى قلعة محاصرة بالأوهام.
في الغربة، حيث يلتقي الهاربون من جحيم الأوطان، تتكشف الحقيقة عاريةً كجرحٍ مفتوح: كلهم يتبجحون بمجدٍ وهمي، وكلهم يمدون أيديهم للمعونة من “الكفار” الذين يلعنونهم صباح مساء.
تخيلوا معي مشاهدًا أخرى من هذه الفانتازيا المظلمة: عربي، نحيلًا كشجرةٍ في صحراء الجوع، يبرز صدره الفارغ ويهتف: “نحن سلة غذاء العالم”، لكنه يستجدي اللقمة من الغرب! .
إنها فلسفةُ الهارب: يهرب العربي من أوطانه المحترقة، من تقاليدٍ تشدّه كأغلالٍ حديدية، من فسادٍ يأكل الروح، ثم يبني في المنفى قصرًا من الأوهام.
يلعن الغرب “الإمبريالي” أو “الماسوني” أو “الكافر”، لكنه يعيش تحت جناحيه، يأكل من خيراته، يتنفس هواء حريته. هذا التناقض هو جوهر التراجيديا العربية: عقلٌ اتكاليٌّ ينتشي بالماضي، يرفض الحاضر، ويخاف المستقبل.
في المقابل، يبني الغربي عالمه بهدوءٍ فلسفيٍّ، من زجاجٍ وفولاذ، مدنًا تتلألأ كنجومٍ في سماءٍ لا حدود لها.
لا يتبجح كثيرًا، بل يعمل.
أما نحن، فننسج أساطيرَ بلسانٍ طويل، عن “محور الكون” و”سلة الغذاء” و”أم الدنيا”، ثم نمدّ اليد للجوء والمعونة.
”عقلٌ ماكو”… وما تبقى، أوهامٌ في صحراء لا تنتهي، وسرابٌ يطارده الظمآن إلى الأبد.