حين تسقط الشرعية الدولية.. من يمنع الحرب العالمية المؤجّلة ؟
اسماعيل محمود العيسى
لم تبدأ الحروب العالمية حين بدأت المدافع تقصف، بل حين انهارت القواعد التي وُضعت أصلًا لمنع الحرب، فالحرب العالمية الأولى سبقتها حالة فراغ قانوني دولي، لم يكن فيها نظام جماعي ملزم يردع الدول أو يحاسب المعتدي، فجاء اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية فرانز فرديناند عام 1914 ليكشف هشاشة العلاقات الدولية، ويفضح غياب أي إطار قانوني قادر على احتواء الأزمة قبل انفجارها، أما الحرب العالمية الثانية فكانت الدليل الأكثر قسوة على أن وجود مؤسسات دولية بلا أدوات إنفاذ حقيقية لا يمنع الحرب، إذ فشلت عصبة الأمم في فرض التزامات قانونية ملزمة، فتحول القانون الدولي آنذاك إلى نصوص أخلاقية بلا قوة ردع.
قانوني مركزي
ومن رحم ذلك الفشل وُلد ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، واضعًا مبدأً قانونيًا مركزيًا يقوم على حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، إلا في حالتي الدفاع الشرعي أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.
كما جعل من حفظ السلم والأمن الدوليين التزامًا قانونيًا جماعيًا لا خيارًا سياسيًا، غير أن ما نشهده اليوم يشي بأن هذا الإطار القانوني نفسه يتعرض لتآكل خطير، ليس بسبب غيابه، بل بسبب تعطيله المتعمد، حين تتحول نصوص الميثاق إلى رهينة ميزان القوى، وتُعلّق أحكامه عند تعارضها مع مصالح الدول الكبرى.
اعتقال رئيس دولة، أو التهديد بتغيير أنظمة سياسية بالقوة، أو شن عمليات عسكرية دون تفويض أممي صريح، ليست مجرد أفعال سياسية مثيرة للجدل، بل تشكل، وفق القانون الدولي، خرقًا مباشرًا لمبدأ السيادة وعدم التدخل.
وهدمًا عمليًا لقاعدة حظر استخدام القوة المنصوص عليها في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وحين تمر هذه الأفعال دون مساءلة قانونية فعالة، فإنها لا تُضعف دولة بعينها، بل تُقوّض فكرة الشرعية الدولية ذاتها، وتفتح الباب أمام تعميم الفوضى بوصفها قاعدة جديدة لإدارة العالم.
الأخطر من ذلك أن مجلس الأمن، الذي أُنيطت به حصريًا سلطة اتخاذ التدابير القسرية لمنع النزاعات، بات عاجزًا عن أداء دوره القانوني، لا لقصور في صلاحياته، بل بسبب إساءة استخدام حق النقض، الذي تحوّل من أداة استثنائية لضمان التوازن، إلى وسيلة لتعطيل العدالة الدولية، ومع كل فيتو يُستخدم لحماية حليف أو تمرير انتهاك،.
تتآكل مشروعية المجلس، ويتراجع الإيمان بفكرة الأمن الجماعي التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق، تصبح المقارنة مع ما سبق الحروب العالمية مقارنة مشروعة قانونيًا لا مجازية فقط، فالقانون الدولي لا يمنع الحرب بذاته، بل يمنعها حين تُحترم قواعده وتُفعّل آلياته، وحين يُترك بلا إنفاذ، يتحول من درع واقٍ إلى شاهد صامت على الانهيار، تمامًا كما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي حين سبقت النصوص القانونية الحرب، لكنها عجزت عن ردعها.
شرعية دولية
أما العالم العربي، فإنه يقف في قلب هذا التآكل القانوني لا على هامشه، إذ لم يكن يومًا شريكًا فعليًا في صناعة القرار الدولي، لكنه كان دومًا ساحة لتطبيقه أو تجاهله، وعندما تنهار الشرعية الدولية، لا تتساوى الدول في الخسائر، بل تدفع المناطق الأضعف الثمن الأكبر، فتتحول النزاعات المحلية إلى حروب بالوكالة، وتصبح الموارد والأراضي وقودًا لصراعات لا تملك شعوبها قرار إشعالها ولا إطفائها.إن إدراك خطورة اللحظة الراهنة يفرض على الدول، ولا سيما الدول العربية، ألا تكتفي بقراءة المشهد سياسيًا، بل أن تعيد تموضعها قانونيًا، عبر التمسك الصارم بمبادئ القانون الدولي، وبناء تحالفات قائمة على احترام الشرعية لا تجاوزها.
لأن انهيار النظام القانوني الدولي لا يعني فوضى مؤقتة، بل عودة العالم إلى منطق القوة المجردة، حيث لا يحمي الضعفاء نص ولا قرار.
لسنا أمام حتــــــــــــمية قانونية لحرب عالمية، لكننا بلا شك أمام انهيار تدريجي للأسس التي وُضعت لمنعــــــــــــها، وحين تسقط الشرعية الدولية، لا يبقى السؤال من أشعـــــــــــل الحرب، بل من كان قادرًا على منعها ولم يفعل، ومن ظن أن النار ستبقى بعيدة عنه، فإذا بها تصل إليه أولًا.