فاتح عبد السلام
فنزويلا ذات التعداد السكاني الذي يناهز 35 مليون نسمة، تمتلك أكبر احتياطي نفط بالعالم، وحالياً هي ثالث دولة منتجة للنفط ورابع دولة مصدرة له. لكن شعبها فقير كأنه لايزال يعتاش على تجارة البن والكاكاو كما كان قبل اكتشاف النفط. فما أهمية الثروات العظيمة للبلدان إذا كانت تصب في جيوب الزعماء السياسيين وزوجاتهم واولادهم فيما تزداد الشعوب فقراً سنة بعد أخرى.
هذه الزاوية هي التي نحتاج ان ننظر من خلالها للتطورات الامريكية الفنزويلية. اذ انّ عملية اعتقال رئيس فنزويلا الذي يحيط قصره ومنزله بحراس مستوردين من كوبا، غير واثق بقواته المسلحة ان تحرسه، انّما هي مثل أي حدث يعلو فيه صوت مزيف بحق الشعوب في الاستقلال والسيادة في حين ان تلك الشعوب ذاتها مستلبة الإرادة من زعمائها وليس من قوة اجنبية.
بلاشك انّ النفط هو العنوان الأكبر في المصلحة الامريكية لتغيير سياسات فنزويلا، لكن السؤال والاهم هو لماذا لم تستطع زعامة كراكاس ان تدرس التجارب النفطية في دول الخليج العربي وتسيرها في ضوئها من حيث إقامة علاقات منفعة متبادلة من خلال ورقة النفط، وليس ترك هذه الورقة في خانة الاستعداء والتربص، في زمن باتت الثروات ليس ملكا لبلد محدد بعينه مادامت الأسعار وأسواق البيع وما يرتبط بها من شركات بيد الدول الكبرى والولايات المتحدة في مقدمتها؟
أما إذا أراد احدهم أن يناقش المسألة من باب ثان، و هو ان تتعامل دولة مثل فنزويلا مع الولايات المتحدة أو سواها كما تتعامل داخليا مع شعبها المغيب في فقره وهو يعيش فوق البقعة الاغنى بالنفط على الكوكب، فذلك أمر لا ينتمي الى لغة العصر مطلقاً، بدليل انّ الرئيس مادورو الذي يرى منذ أسبوعين التحشيد الأمريكي في البحر متجها نحوه مع مكالمة هاتفية واضحة جرت قبل أسبوع مع الرئيس الأمريكي ترامب وضعه فيها أمام خيار دقيق، ومع كل ذلك كان مادورو غير آبه نائماً ملء جفونه وغير مقدر خطورة ما يمكن ان تقوم به القوات الامريكية وما سيحصل لبلده، فلم يعرف كيف يحمي نفسه وكأن البلد بلا جيش مطلقاً لولا اطلاقات الحرّاس الكوبيين لكان وقت العملية تقلص من نصف ساعة الى خمس دقائق.