الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قوّلوا السيستاني ما لم يقل

بواسطة azzaman

قوّلوا السيستاني ما لم يقل

محمد حسن الساعدي

 

مرجعية السيد علي الحسيني السيستاني تُشبه في حضورها شجرةً وارفة الظلال، جذورها ضاربة في عمق الفقه والتقوى، وأغصانها تمتد لتظلل أمةً بأكملها فمكانته لم تنحصر في حدود النجف أو العراق، بل تجاوزت ذلك ليصبح صوته همساً مسموعاً في العالم، حيث يُنظر إليه باعتباره رمزاً للسلام والاعتدال.

في لحظات الشدّة كان السيستاني ملاذاً للناس، يوجّههم بحكمة الأب الحنون، ويُذكّرهم بأن الدين ليس ساحة صراع بل جسر عبور نحو التعايش، وحين عصفت بالعراق رياح الفتن، كان صوته الهادئ أقوى من ضجيج المدافع، وحين اجتاحت البلاد موجة الإرهاب، تحوّلت كلماته إلى قوة جمعت الصفوف وحمت الأرض. أما في العالم، فقد أصبح حضوره مرجعاً أخلاقياً يتجاوز حدود الطائفة، إذ ينظر إليه الكثيرون كصوتٍ إنساني يدعو إلى احترام الكرامة البشرية والعيش المشترك. إن مكانة السيستاني اليوم ليست مجرد موقع ديني، بل هي مقام روحي عالمي، يذكّر بأن الحكمة الصامتة قد تكون أبلغ من كل خطاب، وأن المرجعية حين تتجسد في شخصية متجردة من الطموح السياسي، تصبح منارةً للإنسانية جمعاء.

قوى سياسية

كان دور سماحته في العمل السياسي والإداري مقتصر على النصح والارشاد للقوى السياسية،ولم تقف عند أبناء جلدته من القيادات الشيعية بل تعدته لتشمل كل القوى السياسية وعلى حد سواء دون النظر او الوقوف على دين او مذهب او قومية او أثنية، وبالمقابل نجد ان هذه القوى تنظر اليه نظرة احترام وتقدير لمكانته ومواقفه الوطنية والشرعية في الحفاظ على وحدة الصف او الوطن. العلاقة بين الأحزاب الاسلامية والمرجعية الدينية العليا في النجف مرت بمراحل متباينة، اتسمت في كثير من الأحيان بالتوتر والبرود، فقد نشأت أغلب الاحزاب في أواخر خمسينيات القرن الماضي على يد مجموعة من العلماء والمثقفين المرتبطين بالنجف، وكان الهدف المعلن هو مواجهة المدّ العلماني والشيوعي عبر مشروع سياسي إسلامي منظم،غير أن المرجعية العليا، التي تمثلت آنذاك بالسيد محسن الحكيم (رض) ثم لاحقاً بالسيد أبو القاسم الخوئي وصولاً إلى السيد علي السيستاني، لم تكن ميّالة إلى الانخراط المباشر في العمل الحزبي، بل فضّلت الحفاظ على استقلالها الديني والروحي عن التنظيمات السياسية.

هذا التباين في الرؤية خلق مسافة واضحة بين المرجعية وهذه الأحزاب فبينما سعت إلى بناء قاعدة سياسية وتنظيمية، كانت المرجعية ترى أن دورها الأساس هو حماية الدين والمجتمع من دون الدخول في صراعات حزبية قد تضعف مكانتها الجامعة، ومع مرور الزمن، ازدادت الهوة حين اتخذ هذه الأحزاب مواقف سياسية مرتبطة بالسلطة، بينما ظلت المرجعية حريصة على أن تكون فوق الاصطفافات، ناصحة ومرشدة من موقعها المستقل.

يمكن القول إن العلاقة بين الطرفين اتسمت بالبرود أكثر من القرب، حيث بقيت المرجعية تنظر بعين الحذر إلى العمل الحزبي، فيما ظلت الاحزاب تستلهم من تراث النجف لكنها بقيت تسير في مسار سياسي خاص بها، ما جعل المرجعية تحتفظ بمكانتها العليا كصوت جامع، بينما ظلت الأحزاب الإسلامية جزءاً من المشهد السياسي الذي كثيراً ما تعرض للنقد بسبب ابتعاده عن روح المرجعية.

في الآونة الأخيرة وبعد ترشيح الاطار التنسيقي للسيد المالكي لتشكيل الحكومة القادمة برزت عوامل مهمة بان تتشكل عوائق لهذه الحكومة وفي مقدمتها ذات التحفظ الذي صدر من المرجعية الدينية العليا والذي كان برسالة واضحة مكتوبة بخط سماحة الامام السيستاني (دام حفظه) والتي شكلت منعطف خطير في علاقة حزب الدعوة بالمرجعية الدينية العليا الى جانب التحفظات التي صدرت من قبل القوى الوطنية في العراق او الوضع الإقليمي الذي اعلن رفضه وعدم تعاونه مع حكومة تتشكيل برئاسة السيد المالكي، ناهيك عن الوضع الدولي وتحديداً الأمريكي والذي اعلن بصورة رسمية وآخرها عبر تغريدة للرئيس ترامب واعلن فيه رفضه لتولي المالكي رئاسة الحكومة القادمة وما قبلها من رسائل متفرقة أرسلت الى القوى السياسية من قبل مبعوث وزير الخارجية الامريكية أعلنت رفض القيادة الامريكية لترشيح السيد المالكي لرئاسة الحكومة القادمة. من هذا المنطق أصبح من الضروري مراعاة الوضع الإقليمي والدولي الذي تتعرض له المنطقة عموماً، ومع حرصنا الكبير على وحدة الصف والكلمة فالسيد المالكي يبقى احد الرموز والقيادات المهمة في العراق وكان ترشيحه بالتأكيد يعكس حرص الأطار التنسيقي على ان يكون هو الجهة الوحيدة والمخولة في تشكيل أي حكومة في العراق، ولكن يبقى الحرض ومراعاة المواقف الإقليمية والدولية وكذلك الموقف الوطني والذي بالتأكيد سيمثل احد اهم دعائم نجاح الحكومة بكافة مؤسساتها.

 


مشاهدات 43
الكاتب محمد حسن الساعدي
أضيف 2026/02/28 - 11:27 PM
آخر تحديث 2026/03/01 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 102 الشهر 102 الكلي 14954171
الوقت الآن
الأحد 2026/3/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير