النوافذُ آهلةٌ بالطيورِ
نمر سعدي
اشتياق
زودِّيني من الثمرِ المتلهِّفِ
من قُبَلٍ زمَّها الملحُ في الشهدِ
حتَّى تفتَّحَ وردُ العناقْ
كنتُ أكتبُ شِعراً على الماءِ للريحِ
أشتاقُ للنسوةِ الناجياتِ من الاشتياقْ
***
من همسةِ امرأةٍ أتيتُ
من شعلةٍ زرقاءَ في أعلى جبالِ الماءِ
أو من همسةِ امرأةٍ أتيتُ
ومشيتُ وحدي في ذرى الأحلامِ والصبواتِ
والقمرَ السرابيَّ اقتفيتُ
جسدي يضمُّ الريحَ والأشجارَ في مطرِ الأغاني
كالمسرنمِ من سباتِ الطينِ ينهضُ أو عذاباتِ المعاني
وقبستُ جمرَ دمي ونارَ قصائدِ العشَّاقِ
في العشبِ النديِّ وفي مجازِ الليلِ
حتَّى بالظلالِ ودمعها العاري اهتديتُ
وأنا الفراشةُ في سراجِ الذكرياتِ
أو الهشاشةُ في كتابِ الحُبِّ
هاويةُ الكناياتِ البعيدةِ والرمادِ المستعادِ..
أنا سليلُ الماءِ والجمرِ الذي بفحيحهِ كنتُ اصطليتُ
أوقدتُ من لغتي عناقيدَ الأنوثةِ
واكتويتُ بكلِّ ما في الأرضِ
من شغفِ المواسمِ والبراعمِ والغواياتِ... اكتويتُ
**
أغالبُ مجرى حنيني
هنا في مساءٍ من الأرجوانِ النظيفِ أعيشُ كما ينبغي للمحايدِ أو للمُحبِّ المُصابِ بسهمٍ من النارِ والريحِ، أسهرُ للصبحِ في رمضانَ كما ينبغي، وكما كنتُ أفعلُ من قبلُ، قد أتشافى من الذكرياتِ وأنجو من الشوقِ والوترِ العاطفيِّ الذي شدَّ قلبي إلى قمرٍ في السماءِ وقد لا.. فبي رغبةٌ أن أعبَّ الهواءَ النظيفَ الذي هبَّ من آخرِ الكونِ، بي حاجةٌ أن أداوي زكامَ الزهورِ الصغيرةِ في الدمِ بالشِعرِ، بي شغفٌ أن أفيضَ بماءِ التأمُّلِ، أو أرهفَ السمعَ للمطرِ الأخضرِ الاستوائيِّ في الخارجِ الآنَ يهطلُ، فوقَ السقوفِ الخفيضةِ يهمي وخلفَ النوافذِ، يصهلُ كالنهرِ، يصعدُ منحدراتِ الجبالِ وينزلُ.. يهطلُ، أشتاقهُ وأغالبُ مجرى حنيني إلى همسهِ، كنتُ أعرفهُ من ثلاثينَ عاماً وأرقصُ فيهِ إلى أن تنامَ الظلالُ، إلى أن يجيءَ التعبْ
***
حدِّثيني عن أنوثتكِ الوحيدةِ
العالم الوهميُّ حفلٌ ساذجٌ وتنكريٌّ للثعالبِ أو لقطعانِ الذئابِ، تنكريٌّ لا يُطاقُ، يصيرُ فيهِ اللِّصُ أنبلَ قومهِ والوغدُ قدِّيساً وتُنتحلُ الصفاتُ، كأنَّ بي وجعاً خفيفاً حينَ أغبطُ آخري المنسيَّ في إحدى جهاتِ الريحِ أو في برزخِ الرؤيا على هجرِ القصيدةِ باحثاً عن نفسهِ، أصغي لتسجيلاتهِ في هاتفي: "قمري مصابٌ بالكآبةِ.. رغبتي انطفأتْ، وروحي في مداراتِ السديمِ، ولم يعدْ لي في الكتابةِ ما أريدُ وما أفتِّشُ عنهُ في هذي الحياةِ.. سأقتفي جيتارةً موشومةً في كاحلِ امرأةٍ وأعتزلُ الهوى العذريَّ والشِعرَ المشبَّعَ بالضبابِ فربَّما أرتاحُ... "كانَ يحبُّ لوركا، حينَ تقطرُ وردةٌ حمراءُ في دمهِ بماءِ الذكرياتِ، وكانَ يهجسُ كلَّما صادفتهُ بقصائدِ الحلَّاجِ والنثرِ النسائيِّ الجميلِ وسردِ كافكا أو بأشياءِ السرابِ، يقولُ لي: "أحببتُ من أحببتُ، حتَّى تاهَ قلبي في الكنايةِ والمجازِ، وقلتُ في أوجِ الحنينِ لها امنحيني توتكِ البريَّ كي أمشي على ماءِ البحيرةِ في الظلامِ وحدِّثيني عن أنوثتكِ الوحيدةِ، حدِّثيني عن أنوثتكِ الشريدةِ، حدِّثيني عن رياحِ الخوفِ والقلقِ الوجوديِّ الجميلِ، عن النوافذِ حينَ ترجفُ حينما تهوي النجومُ على التخومِ، وجمِّليني بانتظارِ الحُبِّ في فصلِ الخريفِ، وساعديني كيْ أراكِ بلهفةِ الأعمى وأحملَ عنكِ طلعَ قصائدي أو وردَ غيمِ الحزنِ أو ياقوتةَ الأسرارِ في زمنِ الحروبِ المدلهمَّةِ والغباءِ الاصطناعيِّ الحديثِ إلى الأبدْ"
***
نوَّرَ في دمي ملحُ اشتهاءاتي
(قصيدة مجهولة لديكِ الجنِّ الحمصيِّ)
يهذي من الأشواقِ ديكُ الجنِّ: "يا وردُ الوحيدةُ عانقيني
وامسحي وجهي بهمسكِ في ظلامِ الليلِ أو بضفائرِ الموجِ العنيدِ
وضاعفيني بالحدائقِ والشقائقِ.. ضاعفيني بابتساماتِ الصبايا الشُقرِ
أو بدموعكِ الشفَّافةِ البيضاءِ يا وردُ النقيَّةُ كالمحبَّةِ أو كروحِ الفجرِ
يا وردُ الشهيَّةُ كالعروسِ وكاللهيبِ وكانسكابِ الزهرِ في لغتي العصيَّةِ...
هذهِ حمصُ الجميلةُ في مدى عينيكِ تشرقُ، حمصُ في شفتيكِ أغنيةٌ
وفي عينيكِ شمسٌ لا تغيبُ وفي دمي قمرٌ سرابيٌّ...
أبثُّ سجائري لهَفي، وخبطُ فراشةٍ في الروحِ يصعدُ بي إلى الأعلى
أريدُ يديكِ كيما تحتويني رفرفاتُ الطيرِ، كيما يقتفيني البحرُ..
أنتِ الغيمةُ الزرقاءُ في قلبي وجسمُ قصيدتي وأنايَ
أنتِ بنفسجي البريُّ، ماءُ الرغبةِ الشفهيُّ، عطرُ الأرضِ
في كأسي رمادُكِ، في خطاكِ خطايَ، في عينيَّ نارٌ من سهادكِ
من صباكِ صبايَ، يا جيتارةً في القلبِ، يا نافورةً للوردِ أو للضوءِ
أنتِ خميرةٌ لأنوثةِ الأشياءِ، فيكِ البذرةُ الأولى لأسرارِ النساءِ
وفيَّ قافلةُ العذاباتِ الطويلةُ، فيَّ غاباتُ النحيبِ المُرِّ أو شجرُ التماهي..
عانقيني واتركي دمعي على خدَّيكِ يجري أو على نهدينِ بلُّورينِ..
حاصرني الدخانُ ولم أعدْ بقصيدتي أو وردتي لكِ من ركامِ الليلِ...
نوَّرَ في دمي ملحُ اشتهاءاتي وطارَ حمامُ قبلتكِ الأخيرةِ عن شفاهي"
***
هل أحنُّ لسيجارةٍ؟
ما الذي سوفَ أفعلُ في هذهِ الحربِ؟
هل أقرأ المتنبِّي الحياديَّ للمرةِ الألفِ أم بوحَ كافكا الرماديَّ؟
هل أعتني بالهواجسِ أم بنباتاتِ عشتارَ سيِّدةِ الماءِ؟
هل أقتفي أثرَ الغجرِ الراحلينَ وضوعَ كمنجاتهم؟
هل أدلُّ سوايَ على قمرٍ في الطريقِ الحريريِّ أو في الثرى؟
هل أرى في القصيدةِ أو في النساءِ الذي لا يُرى؟
هل أقولُ لسيِّدةٍ في قطارِ الدجى: عمتِ حبَّاً؟
وأقنعُ غيري بأنَّ التأملَّ في الليلِ أجملُ من صورةِ الليلِ
والراءَ في لفظةِ الحربِ ليستْ ضروريَّةً؟
هل أقايضُ بالأغنياتِ الصدى
وأنا أقرأُ الشعراءَ الذينَ قضوا نحبَ أحلامهم؟
وبماذا سأحلمُ والطائراتُ تقضُّ منامي الصباحيَّ
أو تتسلَّقُ جدرانَ قلبي وتحرثُ حقلَ سماواتِ قيلولتي؟
هل أحنُّ لسيجارةٍ في مطاعمَ يزحمها الغائبونَ؟
وأن أتعافى من الذكرياتِ وأمشي على ضفَّةٍ في الظهيرةِ
كيما أوسِّعَ قلبي وعمري ورؤيايَ
في البحثِ عن سرِّ معنى السعادةِ؟
أو لأخطَّ مديحاً لعاشقةٍ رقصتْ في الرياحِ؟
***
زرقة
مطرُ الفجرِ أزرقُ، والقلقُ المتواصلُ والشغفُ المرُّ
زرقاءُ أغنيةُ الكادحينَ وزرقاءُ أحلامهم في الظهيرةِ
زرقاءُ روحُ السنابلِ والريحُ زرقاءُ، والعشبُ أزرقُ والقبرَّاتُ
وسربُ النوارسِ أزرقُ والليلُ والبحرُ، لهفةُ نيسانَ زرقاءُ
والشجرُ الأرجوانيُّ أزرقُ والقمرُ الساحليُّ
وليلُ الحنينِ الشتائيِّ في شهرِ نيسانَ
صوتُ النجومِ التي تتهاوى على الأرضُ أزرقُ عبرَ الظلامِ
وزرقاءُ شمسُ الضحى وغيومُ الرحى وقصائدُ كلِّ النساءِ
النوافذُ آهلةٌ بالطيورِ
لمعةُ العشبِ حدسٌ يضيءُ ليَ القلبَ، والحربُ تعوي كذئبٍ جريحٍ وراءَ النوافذِ..
شاعرةٌ في الفضاءِ الهلاميِّ تهتفُ: "بي رغبةٌ في البكاءِ.."
ونيسانُ سرحةُ ضوءٍ ونافورةٌ للعصافيرِ
نيسانُ فرودسنا المستعادُ، خميرةُ آلامنا والتشهِّي
حديقةُ أحلامنا وانكساراتنا
غرفةٌ للجمالِ وزادُ المعادِ، الكمنجةُ في القلبِ والجرحُ في الريحِ
نيسانُ غيمةُ دمعٍ على هيئةِ الطيرِ
بئرٌ معطَّلةٌ وسماءٌ حريريَّةٌ...
لا تليقُ بنيسانَ إلَّا الصباحاتُ، أو ما تشفُّ القصائدُ عنهُ ورائحةُ البحرِ
نيسانُ طفلٌ ونيسانُ أحلى الشهورِ، وأقسى الشهورِ معاً
هو متَّسعٌ للعذاباتِ منذُ رمادِ حروبِ البسوسِ
وليسَ سوى لحنينِ تفتُّحِ وردِ الطبيعةِ تحتَ رذاذِ الشموسِ
كواكبهُ تتهاوى على الأرضِ من جعبةِ النارِ
فوقَ الشوارعِ والأغنياتِ وفوقَ النباتاتِ والكائناتِ وأعلى الشجيراتِ
فيما النوافذُ آهلةٌ بالطيورِ
وآهلةٌ بالكمنجاتِ والعُشبِ والذكرياتِ.. وآهلةٌ بالقصائدِ والوجدِ حتى الأبدْ