الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق في عين العاصفة.. هل ننجح بحماية الإقتصاد من الضغوط الإقليمية؟

بواسطة azzaman

العراق في عين العاصفة.. هل ننجح بحماية الإقتصاد من الضغوط الإقليمية؟

فاتن يوسف

 

في منطقةٍ لاتغادر فوهة البركان، تتبدل فيها خرائط النفوذ كما تتبدل التحالفات بين ليلة وضحاها، يبدو الاقتصاد في كثير من الأحيان الضحية الأولى لكل ارتداد سياسي أو أمني. والعراق، بحكم موقعه وتاريخه وثقله النفطي، ليس بعيداً عن هذه القاعدة. غير أن السؤال الجوهري لم يعد: هل يتأثر العراق بالأزمات الإقليمية؟ فهذا أمرٌ واقع. بل أصبح: هل تستطيع الحكومات العراقية أن تحيّد هذه الأزمات اقتصادياً، أو على الأقل أن تخفف من كلفتها؟

منذ عام 2003، تعاقبت على العراق حكومات وجدت نفسها في قلب توازنات دقيقة بين قوى إقليمية ودولية متنافسة. وبين ضغوط متقاطعة من واشنطن إلى طهران، ومن أسواق الطاقة إلى ساحات التوتر العسكري، بقي الاقتصاد العراقي مرتبطاً بعاملين حاسمين: النفط والاستقرار السياسي، وأي اهتزاز في أحدهما ينعكس مباشرة على الموازنة العامة، وسعر الصرف، وثقة المستثمرين

العراق دولة ريعية بامتياز؛ إذ يعتمد اقتصاده بنسبة كبيرة على عائدات تصدير النفط، وهذا الاعتماد على الرغم من وفرة الإيراداته في سنوات ارتفاع الأسعار، إلا انه يجعل البلاد عرضة لتقلبات السوق العالمية ولأي تصعيد إقليمي قد يهدد الإمدادات أو طرق التصدير. فعندما ترتفع حدة التوتر في الخليج، ترتفع المخاوف، وتتسع دائرة القلق، حتى وإن لم يكن العراق طرفاً مباشراً في الصراع. وهنا تتجلى هشاشة الاقتصاد حين يكون مرتبطاً بموردٍ واحد

لكن تحييد الأزمات لا يعني الانفصال عن الجغرافيا، بل إدارة آثارها. فالحكومات ليست تلك التي تمنع الأزمات من الوقوع، بل التي تبني اقتصاداً قادراً على امتصاص الصدمات. والسؤال الذي ينبغي طرحه بجرأة: هل اتخذت الحكومات العراقية خطوات حقيقية نحو بناء اقتصاد مرن؟

قطاع خاص

من الناحية النظرية، ثمة حديث متكرر عن تنويع مصادر الدخل، وتشجيع القطاع الخاص، وجذب الاستثمار. غير أن التطبيق ظل بطيئاً، ومتأثراً بالبيروقراطية، وضعف البنية التحتية، وغياب رؤية اقتصادية مستقرة عابرة للدورات الانتخابية. فالسياسات الاقتصادية كثيراً ما بقيت رهينة التوازنات السياسية، فيما ظل الإصلاح مؤجلاً تحت ضغط الاستحقاقات الآنية

الأزمات الإقليمية لا تأتي دائماً في صورة حرب شاملة؛ أحياناً تكون في شكل عقوبات على دولة مجاورة، أو اضطراب في طرق التجارة، أو توتر سياسي يؤثر في حركة الأموال والتـــــــــــحويلات. والعراق، بحكم تشابك علاقاته، يتأثر سريعاً بهذه المتغيرات. لذا فإن تحييد الأثر الاقتصادي يتطلب أولاً استقلالية نسبية في القرار المالي، وثانياً شبكة علاقات متوازنة لا تجعل البلاد أسيرة محورٍ بعينه

السياسة الخارجية المتوازنة ليست شعاراً دبلوماسياً فحسب، بل أداة اقتصادية أيضاً. فكلما استطاع العراق الحفاظ على علاقات متوازنة مع محيطه، وتجنب الانخراط في صراعات مباشرة، ازداد هامش حركته في التجارة والطاقة والاستثمار. غير أن هذا التوازن يظل هشاً إذا لم يُدعّم بإصلاح داخلي حقيقي يعزز الثقة بالمؤسسات.

أحد أبرز التحديات يكمن في إدارة الفوائض النفطية، فسنوات ارتفاع الأسعار تمثل فرصة لبناء احتياطات مالية، وإنشاء صناديق سيادية، وتمويل مشاريع إنتاجية طويلة الأمد، لكن إذا ذهبت هذه الفوائض إلى الإنفاق الاستهلاكي وحده، فإن أي هبوط مفاجئ في الأسعار سيعيد الأزمة إلى الواجهة. وهنا يتجلى الفارق بين إدارة آنية للأزمة، وإدارة استراتيجية للمستقبل.

توتر اقليمي

كما أن تحصين الاقتصاد يتطلب إصلاحاً في النظام المصرفي، وتطويراً لبيئة الأعمال، وتحديثاً للتشريعات التي تنظم الاستثمار، فالمستثمر لا يخشى التوتر الإقليمي بقدر ما يخشى غياب الوضوح القانوني وتضارب القرارات. وكلما شعر رأس المال بأن القواعد مستقرة ويمكن التنبؤ بها، تراجعت حساسيته تجاه الضجيج السياسي

ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي، فاقتصاد هش يعني بطالة أعلى، وفجوات أوسع، واحتقاناً قد يتحول إلى ضغط سياسي داخلي، وحين تتقاطع الأزمات الخارجية مع هشاشة داخلية، يصبح التأثير مضاعفاً.

لذا فإن العدالة في توزيع الموارد، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتمكين الشباب، ليست قضايا اجتماعية فحسب، بل أدوات لتعزيز الصمود الوطني

الجرأة الحقيقية تكمن في الاعتراف بأن تحييد الأزمات الإقليمية اقتصادياً لن يتحقق ببيانات تطمينية، بل بإعادة ترتيب الأولويات. “الاقتصاد أولاً” لا ينبغي أن يكون شعاراً موسمياً، بل منهج حكم، وهذا المنهج يقتضي تقليل الارتهان للنفط، وتغليب المصلحة الوطنية في رسم العلاقات الخارجية، وتحصين المؤسسات من التجاذبات

العراق لا يستطيع تغيير جغرافيته، ولا التحكم الكامل في صراعات الإقليم، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يستجيب لها.

فإما أن يبقى متلقياً لارتداداتها، أو أن يبني اقتصاداً قادراً على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات إلى فرص.

وبين هذين الخيارين تقف مسؤولية الحكومات، لا أمام الخارج فحسب، بل أمام الداخل الذي ينتظر استقراراً حقيقياً، لا مؤقتاً

في النهاية، تحييد الأزمات الإقليمية ليس وهماً، لكـــــــــــــنه ليس مهمة سهلة، إنه مشروع طويل يتطلب رؤية، وإرادة سياسية، وإصلاحاً مؤسسياً عميقاً.

وإذا كان العراق قد تعلّم من عقود الاضطراب درساً واحداً، فهو أن الأمن الحقيقي يبدأ من اقتصاد قوي، وأن السيادة لا تُصان بالشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية قوت مواطنيها في وجه العواصف

 

 


مشاهدات 38
الكاتب فاتن يوسف
أضيف 2026/02/28 - 11:25 PM
آخر تحديث 2026/03/01 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 105 الكلي 14954174
الوقت الآن
الأحد 2026/3/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير