الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وشم الخطيئة

بواسطة azzaman

قصة قصيرة

وشم الخطيئة

مازن الحمداني

 

رنَّ الهاتف في الصالة، فجاءت امرأة خمسينية، يشع من وجهها النور، وقوامها كغصن البان، ترفل في جمالها. رفعت الهاتف، فإذا هي كنتها. بعد تبادل التحية والكلام، طلبت الكنة من عمتها أن ترافقها إلى حمام النساء، فقد استبدَّ بها الخوف من الذهاب وحدها، خاصة وأنها المرة الأولى. صديقاتها قد أغرينها بالتجربة، وأمها وأبوها معتكفان في الديار المقدسة. أجابت العمة بود وحنان: "يا حبيبة قلبي، أنتِ تأمرين أمرًا. تعلمين معزتكِ عندي، هي من معزة زوجكِ وبناتي. لكن يا عمتي، أرجوكِ إلا الحموات، خط أحمر! لا تورطيني معهن." أطلقت العمة ضحكة عالية من أعماق قلبها: "يا حبيبتي، أنتِ الخط الأحمر، وأحفادي سعد ووعد، هما عيناي اللتان أرى بهما الدنيا. ساعة واحدة وأكون عندكِ بإذن الله." وأغلقت الهاتف.

بعد ساعة، وصلت العمة ومعها حقيبة تزخر بمستلزمات الحمام. قالت: "جاءت حماتكِ سوسن (وهي البنت الصغرى) لتبقى مع أحفادي." كل ذلك بعد سلام مملوء بالحب والحنان والعناق.

تحدثت العمة في نفسها، بتعجب: "لماذا أشعر بشعور غريب تجاه هذه الكنة من دون كل زوجات أولادي؟" ثم سرعان ما تداركت: "ها ها ها، يا عمتي، أين ذهب فكركِ؟ الذي يشغل بالكِ هنيئًا له!" بهذه الكلمات، تلاشت الأفكار بعيدًا. نظرت إلى كنتها بابتسامة مشرقة: "بكِ أنتِ أيتها الجميلة الغالية، طار عقلي! لولا أني امرأة لخَطِفتُكِ من ابني يا عسل!" وقهقهت.

بهذه الضحكات المتبادلة، جاء الولدان يركضان ليرتميا في حضن جدتهما. أخذت تحضنهما وتشمهما وتقبلهما، وهما يبادلانها القُبل. طلبت من ابنتها أن تناوِلها كيسًا كبيرًا من النايلون، فيه ألعاب وحلويات فاخرة. شكروها وذهبوا برفقة عمتهم إلى غرفتهم ليلعبوا ويتناولوا الحلويات معًا.

ذهبت الكنة والعمة إلى الحمام، يقود السيارة حفيدها ابن ولدها البكر. دخلتا الحمام وهنَّ مسرورات، يتبادلن أطراف الحديث، والابتسامة لا تفارق محياهن.

خلعن ثيابهن، وحجزن مقصورة خاصة بهن، وارتدينَ مئزر الحمام. أخذت الكنة تساعد عمتها في الغسل، فلما فرغت منها، قالت العمة: "الآن دوري في غسل حبيبتي الغالية." أرادت كنتها أن تتملص من الأمر، وهي تغسل نفسها، لكنها لم تقدر على ذلك، بسبب إصرار العمة. وهنا بدأت العمة بغسل رأس الكنة بالصابون السائل والماء، ثم غسلت عنقها وظهرها. وعندما بدأت بغسل يديها، رفعت يدها اليسرى، وهنا جمَّدت العمة بصرها على ما تحت إبط كنتها، فرأت وحمة سوداء على شكل هلال. لم تعد قادرة على رفع اليد، فسقطت يد الكنة، وصُدمت العمة. ظلت الكنة تصرخ مما جرى لعمتها. أسرعنَ النسوة لحمل العمة خارجًا. ارتدت الكنة ثيابها، وألبست النسوة ثياب العمة، وأخذت الحقيبة، ودفعت أجرة الحمام، وخرجت لتنادي ابن حماها. وبمساعدة صاحبة الحمام والعاملات، أخرجوا العمة ليركبوها السيارة. انطلق حفيدها إلى أقرب مستشفى، وهي فاقدة للوعي.

خلال ساعة، اكتظت المستشفى بأهلها؛ الزوج والأولاد والبنات والأحفاد. إحداهنَّ، وقحة لا تستحي، أخذت تُسمع الكنة كلامًا جارحًا، متهمة إياها بأنها السبب فيما جرى لأمها. هنا، تدخل الأب وأوقف ابنته، واعتذر من كنته، وطلب من ابنه أن يأخذ زوجته إلى البيت، فهي في حالة نفسية صعبة من أثر الصدمة التي تعرضت لها. لكن الكنة اعترضت: "يا أبي، كيف أترككم في هذه الظروف؟"

أجاب الأب: "يا بنيتي، سأخبر عمتك إذا استيقظت، أنكِ كنتِ هنا، وأنا طلبت منكِ المغادرة لأجل سلامة نفسيتك." وافق الولد أمام إصرار الأب. شكر الأب كنته لشجاعتها، وجلب زوجته للمستشفى بهذه السرعة، وعدم انتظار سيارة الإسعاف. وقبَّلها على رأسها امتناناً لها، وتخفيفًا عنها. وقلَّل من قيمة الحادثة، مؤكدًا أنها ستصحو بعد قليل، ويأخذها إلى البيت. كل هذا وهو يرسم ابتسامة اطمئنان، ويربت على كتفها، ويوصي ابنه بأن يهتم بها. وقد ملأ الغيظ قلوب بناته، لاهتمامه بها ولطفه معها. إحداهنَّ قالت: "سحرته كما سحرت أخينا المسكين، وأمنا التي بين الحياة والموت."

خرج الطبيب مبتسمًا ليقول لهم: "فحصنا رأسها وقلبها، وهما سليمان. ليس لديها شيء. لهذا، حولناها إلى الطبيب المختص ليباشر علاجها."

أخذ الأب الطبيب بعيدًا عن أولاده: "بالله عليك، أصدقني القول: ماذا بها؟ وبأي اختصاص الطبيب الذي حولتها إليه؟"

أجاب الطبيب: "زوجتك لديها صدمة عصبية حادة، شلَّت قدرتها حاليًا عن الكلام. لهذا حولناها إلى طبيب الأعصاب والأمراض النفسية."

استأذن الطبيب ومضى، وظل الرجل حائرًا: "ما الشيء الذي أثر بها لدرجة الصدمة العصبية؟"

أراد الجميع رؤيتها، فأخبرتهم الممرضة بأوامر الطبيب: "ممنوع الدخول الليلة عليها حتى غدًا يراها الطبيب المختص، وهو الذي يقرر. وقد أعطينا المريضة بأمر من الطبيب حقنة منومة، وهي نائمة الآن. أنصحكم بأن تذهبوا إلى البيت، وتأتوا غدًا صباحًا، لأن وجودكم وعدمه سواء." بناتها كل واحدة أخذها زوجها، بعدما سمعوا الكلام إلى بيوتهم. الأولاد يبقون مع أبيهم. في البداية، كان شارد الذهن، يبحث عن إجابة لسبب الصدمة العصبية. ومهما عصف ذهنه، لا يجد جوابًا مقنعًا. انتبه على صوت أحد أولاده وهو يقول له: "أبي، اذهب إلى البيت أنتَ وأخوتي، وأنا سأبقى في المستشفى."

الأب: "لا، جميعنا سنذهب إلى البيت. فبقاءنا هنا لن ينفعنا بشيء، ولا ينفع أمكم بشيء. أمهلوني رويدًا حتى أوصي الممرضة عليها، وأعطيها رقم الجوال إذا صار طارئ لا سمح الله تتصل بي." وفعلًا، قدم مبلغًا من المال للممرضة مع رقم الجوال، وأوصاها بها، وأن تتصل به متى ما استيقظت زوجته، أو حصل أمر طارئ.

وخرج الجميع من المستشفى، على أن يعودوا صباحًا، وهم يأملون خيرًا، وقد طمأنهم الطبيب على حالتها الصحية.

نعود للبداية، من لحظة رفع يد الكنة، ورؤية الوحمة السوداء على شكل هلال، أو شيء آخر. ما الذي أيقظ الكابوس الذي أصابها بصدمة عصبية حادة؟ ماذا في هذه الوحمة؟ وما علاقة العمة بوحمة كنتها؟ تساؤلات كثيرة تبحث عن جواب!

والجواب كله في عقل أو صدر العمة أم فرقد، أو ربما عند الكنة السيدة هبة، هذا الاسم الذي كانت تسأل أباها: "لماذا سميتموني هبة؟" كان جواب الوالدين دائمًا: "لم يكن لنا أبناء، وليس لدينا ما يمنع من الإنجاب. لكن مشيئة الله تعالى، فلما حملت بكِ أمك، اعتبرناكِ هبة من الله، فأسميناكِ هبة."

هذه القصة تذكرتها هبة عندما عادت إلى البيت مع زوجها، وهي تفكر في سبب صدمة عمتها أم فرقد من رؤية الوحمة. وهل هذا هو السبب؟ أو ربما سبب آخر؟ هل رأت شخصًا ما في الحمام؟ لم تكن تتوقع وجوده؟ تساؤلات كثيرة تبحث عن إجابة، غير تساؤلات زوجها الذي أعادت له ما حدث أكثر من مرة وهو غير مقتنع: "ماذا جرى؟ الوحمة التي كنت تسأل أمها عنها، تقول لها: إنها اشتهت موزًا، فحكت تحت إبطها، فصارت هذه الوحمة."

السر عند أم فرقد. مع أول ساعات الصباح، استيقظت أم فرقد، وأرادت أن تلج عقلها لمعرفة السر، فوجدت فيه دوامة من الذكريات المتضاربة، والمشاعر التي تختلط فيها المحبة والكره، والغضب والقلق. وهناك صور مشوهة، وهناك مشاعر ضعف تحاول أن تتسرب إلى فؤادها، وهناك صور ظلمانية سوداء حالكة السواد لا تتوقع وجودها عند امرأة رقيقة حنونة مثلها. هل الطبيب المختص ممكن أن يفك شفرة هذا العقل المعقد؟!

وجاء الطبيب وخرج بخفي حنين. زوجها كان في الباب يستأذن في رؤيتها، وسأله عن إمكانية أخذها إلى البيت، فأذن بخروجها.

دخل أبو فرقد، وأراد الحديث معها. صمتت، ثم قالت بحزم: "في البيت نتحدث عن كل شيء." وعادت لصمتها. جمع أغراضها، ودخلت العائلة كلها يحتضنونها ويقبلونها، لكنها لم تتفاعل معهم، بل ودفعتهم عنها. الأب تدخل ليقول: "اخرجوا رجاءً، فهي ما زالت متعبة، وتحتاج للراحة. وعندما تتحسن حالتها في البيت، يمكنكم الحديث معها قدر ما تشاؤون."

في البيت، اختلى بها في غرفتهما، وأغلق الباب. بدأت بالبكاء والنحيب، فتركها تنفس عما في داخلها. وبعد ربع ساعة أو أكثر، صمتت، ومسحت عيناها بمنديل، ونظرت إليه بنظرة أقشعر لها بدنه. وعرف أن الكلام المسكوت عنه سنين، حانت ساعته، ولا يمكن التغاضي عنه. ولابد أن يستعد للمواجهة، ولابد أن الجرح القديم سيُنكأ، ولابد له من تحمل أعباء الماضي. لكن من؟ أو ما الذي أيقظه الآن؟

أم فرقد بدأت الكلام: "قبل ثلاثين عامًا أو أكثر، اعتقلك الأمن، نتيجة صداقتك مع الشخص الغلط. وأنا دفعت ثمن عدم اعترافك. ثلاثة أيام في الأمن، خرجتُ بعدها حاملًا. صبرت وتحملت حتى ولدت من ذلك الانتهاك لشرفي وكرامتي بنتًا. لطالما أردت إسقاطها مرارًا وتكرارًا. لم تسقط، وجاءت إلى الدنيا. أردت خنق عاري بيدي، لكنني لم أقوَ على ذلك. فرأيت وحمة تحت إبطها على شكل هلال. والزوج يبكي بحرقة وألم، فقررت رميها في مزبلة، لعل الحيوانات تأكلها، أو تموت من الجوع. فلففتها بخرقة سوداء، وأجرت سيارة، وذهبت لمنطقة بعيدة عنا كثيرًا، ورميتها وهي تصرخ من الجوع لأني لم أرضعها. وعدت إلى البيت بنفس السيارة، ولم أعلم عنها شيئًا من ذلك اليوم المشؤوم. ولكن جرحها كان محفورًا بقلبي لأنها بريئة، وأنا مظلومة، وأمسيت تلك الليلة ظالمة. حتى ذهبتُ إلى الحمام مع كنتنا، ورأيت تلك الوحمة." هنا، صاح الزوج: "لا، لا تقولي إنها هي؟!"

قالت: "لستُ أدري، لستُ متأكدة. لكن الكارثة أحفادنا. أبننا لو صح أنها ابنتي، ماذا سأقول له؟ ماذا سأقول لباقي العائلة؟ لا، لا يكاد رأسي ينفجر. ماذا سنفعل بالفضيحة؟ وإذا التزمنا الصمت، ماذا سنقول لله عندما يوقفنا للحساب، ويقول لنا: كيف رضيتم أن يبقى أخ مع أخته، ويستمر بالإنجاب؟"

قال الزوج: "كفى... ألم تقولي إنها ماتت؟" "نعم قلت، وأنت لم تسأل كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟ أنت أيضًا لزمت الصمت، لأنك تعرف مصدرها. كان عارًا أردت نسيانه."

السؤال المهم هو: ماذا نفعل؟ وكيف نفعل؟ ومن الذي يفعل؟ أبو فرقد قال: "أنا أفعل كل ما يلزم لوضع حد لما نحن فيه." ردت بحزم وتصميم: "لا، أنا التي بدأت هذه المأساة، وأنا التي تنهيها." اتفقا أن يذهبا لمحامي يشرحان له الوضع، ويستشيرانه. وإذا كان عنده حل لهذه المشكلة، سيوكلانه، وهو الذي سيشرع بالإجراءات.

في هذه الأثناء، عاد أبا هبة وأمها من العمرة. ذهبت هبة وزوجها لاستقبالهما في المطار، وقد أمطرا أحفادهما بالهدايا، وللزوج وابنتهما حقائب لا يُعلم ما بداخلها إلا المعتمرين. استأذن الزوج، وترك زوجته وابناهما وهداياهم في بيت أبيها، وذهب ليطمئن على أمه.

هبة فرحتْ بعودة أهلها، ولكنها ليست كعادتها. ظن الوالدان أن هناك مشكلة بين ابنتهما وزوجها. وبعد إلحاحهما بالسؤال، أخبرتهما بما جرى. فضحك الأب: "بسيطة." كلمة قالها وهو مطمئن.

البنت قالت: "سأعد لكم الغداء." أجاب الأب: "لا، وألف لا. الغداء سيأتي من كل ما يعجبكم. أنتم عليكم أن تكتبوا ما تشتهون، وأنا عليَّ أن أحقق طلباتكم. اذهبي لرعاية الملائكة الصغار، فأنا أخشى أن يصيبهما شيء. وبعد ذلك، من الذي يخلصنا من أمهما وأبيهما."

ضحكت وقالت: "الحق معك." نهضت تريد الخروج من الغرفة، فقال الأب: "يا ابنتي، أنتم باقين معنا ثلاث أيام، حتى نشبع منكم. الله كريم. أسأل أبا سعد ويصير خير."

فلما بقي هو وزوجته، قالت أم هبة: "ماذا حصل لأم فرقد يا ترى؟" أجاب الأب: "وما أدراني؟ سيأتي ابنها ويخبرنا بحالها."

أم هبة: "ألا ترى الأمر مقلق شيئًا ما؟ فأنا قلقة، وقلبي غير مطمئن. الله يستر من كيد النساء."

أبو هبة: "وأنتِ ماذا؟ لستِ من النساء؟" أجابت الزوجة: "بلى منهن. ولكنني فقيرة، لست مثلهن."

ندع الوالدان، ونمضي مع زوجها السيد مصطفى، الذي ذهب إلى بيت أبيه ليطمئن على أمه. فلم يجدها، فقد خرجت مع أبيه، ولا أحد يعلم إلى أين؟ ربما إلى الطبيب، وربما إلى مكان آخر. فجلس ينتظرهما.

أم فرقد وزوجها ذهبا إلى محامي، وأخبراه بكل شيء. وأول سؤال كان لأم فرقد من المحامي: "وما هو دليلك على أنها ابنتك؟"

إجابته أم فرقد بأنها الوحمة التي تحت الإبط الأيسر.

المحامي: "هذا ليس دليلًا يعتد به لإبطال نسبها من أبيها، وإثبات نسبها لكِ، وإبطال زواجها. ولا تنسي الفضيحة التي ستطال كل أولادكِ، الذين ليس بعيدًا أن يتهموكِ بالجنون، وهو أمر على صعوبته على أولادك وبناتك، لكنه أهون عليهم مما تريدين فعله."

أم فرقد: "هناك احتمال ابني متزوج من أخته. ماذا أفعل بهذه المصيبة؟"

المحامي: "هذه المشكلة أهون مما كنتِ تريدين. تستطيعين التفريق بينهما لأي سبب كان. وهناك طريقة أخرى وهي التفاهم بهدوء مع أهل زوجة ابنك، لحل هذه المشكلة بدون فضائح، أو حتى مصارحة ابنك. والتوصل معه لحل لهذه المصيبة كما تقولين، وبدون فضائح."

أبو فرقد: "رحم الله والديك. أعطيتنا خيارات متعددة، بينما كنا لا نرى سوى خيار واحد صعب ومر. جزاك الله خيرًا."

شكرا المحامي كثيرًا، وأكرماه، وخرجا منه وهما تغمرهما راحة نفسية. وعندما ركبا السيارة، قالت له أم فرقد: "أكاد أموت من الجوع. مضى عليَّ يومين لم أذق شيئًا من الطعام."

أبو فرقد: "الحقيقة وأنا كذلك جائع."

أخذها إلى مطعم، وتناولا الطعام في جناح خاص للعوائل، وأكلا حتى امتلأت بطونهما، وخرجا يضحكان.

عادا إلى البيت فوجدا ابنهما مصطفى في البيت ينتظرهما. بعد أن كانت تضحك مع زوجها، عبست بوجه ابنها، وقالت: "تعال معي." هو قبَّل رأسها، وقال: "الحمد لله على السلامة."

الأم: "الله يسلمك."

الأب: "تحتاجينني أكون معك؟"

الأم: "لا."

ثم مضى مصطفى يمشي خلفها حتى دخلت غرفتها. أحضرت قرآنًا بيدها، وطلبت من ابنها الجلوس، وقالت: "أقسم بهذا القرآن أني أحبك حبًا لا يعلمه إلا الله، ولا أرجو من الله إلا سعادتك. وأقسم عليك بهذا القرآن: هل لديك شك فيما أقسمت عليه؟"

مصطفى: "أماه، وحق هذا القرآن، لا تحتاجين اليمين. لأني أعلم بذلك علم اليقين."

الأم: "حسنًا. لو طلبت منك طلبًا صعبًا، ويعلم الله أنني أملك سببًا لا أستطيع البوح به. هل تلبي طلبتي، وتحقق رغبتي مهما كان الطلب صعبًا، وغير معقول بالظاهر. قد تقول: أمي مجنونة، لكنني إذا لم أطلب منك هذا الطلب، سأكون مجنونة."

مصطفى: "أماه، قولي طلبك. وأقسم بهذا القرآن إذا كان الطلب بمقدوري، سوف أحقق طلبك، وأحقق رغبتك، فقط قولي ماذا تريدين."

الأم: "بني، إن الله ابتلى سيدنا إبراهيم (ع) بذبح ابنه. ووصف الله تعالى ذلك بالبلاء العظيم. وإسماعيل استجاب لأبيه، وقال: ستجدني إن شاء الله من الصابرين."

مصطفى: "ماما، سلام الله على إسماعيل (ع). ما هو المطلوب، وبدون مقدمات، باستثناء زوجتي وأولادي. لو تريدين أن أرمي نفسي بالبحر، والله أرميها لأجل عيونك الحلوة." مع ابتسامة.

الأم: "بل ما أريده هو الذي أخرجته من الحساب."

ماذا؟ ما تريدين منهما؟

الطلاق.

ماذا؟ الطلاق؟! ماما، ما الذي جرى في الحمام بالضبط؟ حتى يستحق الطلاق. أتقي الله يا أمي، هذا خراب بيوت، عقابه عظيم عند الله.

أيها المتقي، قل لي: ما عقاب من يتزوج أخته؟

قالتها بكل عصبية وغضب، وهو رجع للخلف مبهوتًا، ورد متعجبًا: "ما علاقة هذا بزوجتي؟ نحن نتكلم عن الطلاق." ردت أمه: "هذا هو مربط الفرس. ماذا تظن حصل في الحمام جعلني أصاب بصدمة عصبية حادة؟ هذا الذي حصل، اكتشاف أن زوجة ابني هي ابنتي، التي رميتها قبل ثلاثين سنة. وعادت لتفضح المستور، وإن كانت لا تعلم." أطلق مصطفى ضحكة مدوية: "ما كذب من قال: لو حبت الحماة الكنة، لدخل إبليس للجنة. لكن هذه القصة بأي فلم هندي رأيتها؟ ماما، الكذب المرتب خير من الصدق..."

"ألزم حدودك، وإياك أن يسمع كلامك أحد من أخوتك، أو أخواتك، أو أي إنسان. فلا يعلم بهذا إلا الله وأنا وأباك، وأنت. وأنا قد بلغت اللهم فاشهد. وأنت حر. فهي لقيطة، ولكن أنت ابن أبيك. كيف تنام مع امرأة تعلم أنها أختك؟ وأنا قد برأت ذمتي، وأنت والله."

"أماه، هل تعلمين أن البيت بيتها، والشركة شركتها، والأولاد أولادها، وأنا في الحقيقة لا أملك شيئًا؟ وهل لي أن أعيش بعدما علمت أني أعاشر أختي؟ أماه، قتلتني."

خرج مسرعًا من البيت، حاولت الإمساك به، وهي تصرخ، لم تستطع. ركب سيارته، وانطلق مسرعًا. وفي الطريق عمل حادث سير قد يودي بحياته، بعد أن أرسل بصمة صوتية لزوجته، يخبرها بما أخبرته به أمه. وأنه لا يقدر على العيش مع هكذا عار. أوصاها بالأولاد أن تربيهم هي، ولا تريهم لأمه أبدًا. "وداعًا حبيبتي." هذه كانت آخر كلماته، وكان هناك صوت بكاء له قبيل الحادث بثواني.

هذه البصمة، وما جرى لمصطفى، فتح أبواب جهنم على أم فرقد وعائلتها. تحولت هذه الكنة اللطيفة إلى وحش مفترس. صارت كلبوة جريحة. كانت أول صولة لها مع أمها وأبيها. أسمعتهم البصمة، ودموعها تجري، ونشيجها كأنه صوت القدر ببداية غليانه. هناك حسرة متكسرة في صدرها. وقفت متوثبة: "هل ما في هذه البصمة من كلام عمتي صحيح؟" أمها وأبيها بصوت واحد: "لا، وألف لا. أنتِ ابنتنا، بدون أدنى شك. وهذه الوحمة لا تثبت شيئًا، مجرد تشابه أو توهم. ونقسم على ذلك. ومستعدون أن نجري أنا وأمك فحص البنوة. وإذا ظهر احتمال واحد بالمئة لستِ ابنتنا، نحن سنقتل أنفسنا، كما فعل زوجكِ الغيور على شرفه. ولكنه تهور بدون أن يتأكد. نرجو من الله أن يحميه من نفسه، ويحفظه لنثبت له من دون أدنى شك، إنكِ ابنتنا، وإن أمه متوهمة، أو مجنونة. وقتل الطفلة البريئة بلا ذنب خطيئة. والخطيئة لا تموت يا ابنتي."

قامت الأم لتحتضن ابنتها هبة، والأولاد حولها يبكون لبكاء أمهما. والأب خرج للحديقة، ليتصل بصديق له يعمل بشركة الهاتف النقال، ليطلب منه معرفة مكان نسيبه. وبمجرد إعطاء الرقم، أخبره بمكان تواجده الآن. اتصل بأحد أقاربه وهو ضابط كبير بالشرطة، ليعرف هل وقع حادث سير في المنطقة المعينة؟ وما هو مصير السائق؟ بعد خمس دقائق، أخبره الضابط بحصول حادث مريع، يُشك بأنه حادث انتحار. وقد نُقل السائق للمستشفى، وهو في حالة خطيرة. أخذ الأب ابنته، وخرج مسرعًا نحو المستشفى. وهناك، التقت هبة بزوجها، الذي كان بين الحياة والموت، فأدار وجهه عنها خجلًا: "أنا لستُ أختك، وأنا لستُ لقيطة كما وصفتني أمك. وأنا لدي ألف دليل يا أحمق يثبت أنني بنت أمي وأبي. والوحمة لا تثبت شيئًا إلا في عقل أمكِ المجنونة." وهنا، أدار وجهه إليها، وهو يبتسم ابتسامة مريعة بحالته المزرية. لكنها أعطته سببًا ليتمسك بالحياة. الأب اتصل بأحد الأطباء الجراحين الكبار، وطلب منه القدوم للمستشفى لعلاج مصطفى. ووعده قائلاً: "أعطيك شيكًا على بياض إذا أنقذت ولدي مصطفى من الموت." حجز غرفة عمليات الجناح الخاص، ودفع الرسوم، ووزع المال بجنون، على كل العاملين بالمستشفى. جاء الطبيب ومعه فريق عمل كامل خلال عشر دقائق، وكان مصطفى قد فقد الوعي. احتاج الطبيب عشر قناني من الدم، فاشترى خمسة عشر قنينة دم، خلال ربع ساعة، قيمة القنينة الواحدة خمسمائة دولار أمريكي. واستغرقت العملية ست ساعات من الساعة السادسة مساءً، ولغاية منتصف الليل. تكللت جهودهم بإنقاذ حياة مصطفى من الموت بأعجوبة.

وبعد أن عجزوا عن العثور عليه، ذهب أبوه إلى أبي هبة يسأله عنه.

أبو هبة: "قبل أن تسألني عن ابنك، دعنا نحسم موضوع هبة، وما تدعيه زوجتك بأنها ابنتها، وأنها لقيطة. وهذا كلام تطير به رقاب. أولًا: متى ولدت زوجتك ابنتها المزعومة؟"

أبو فرقد: "أظنها في أواخر عام ألف وتسعمائة وست وثمانين. عندها كنت في السجن."

أبو هبة: "أحضر صورًا قديمة، وأخرج صورة لطفلة ما زالت بالقماط يحملها بين يديه، وقد كتب عليها ألف وتسعمائة وخمس وثمانون رقمًا. وأخرج صورة وهو يمسك يد هبة وهي تمشي، كتب عليها (14/ تموز/ 1986)."

أبو فرقد طأطأ رأسه خجلًا: "المعذرة أخي." وأخذ يد أبا هبة ليقبلها، فسحب الرجل يده قائلاً: "معاذ الله، كله من مكرهن. إن مكرهن لتزول منه الجبال. والضحية في كل هذا ابنك مصطفى. هل تعلم أن ابنك مات، وأرجعته إلى الحياة؟ هل تعلم كم بذلت من المال والعلاقات لأنقذ حياته؟ ابنك قتلتوه، وأنا بفضل الله ومشيئته أحييته. فهو من اليوم ابني. دعوه يعيش ويربي أطفاله. أعتقوه في سبيل الله."

أبو فرقد: "صدقت، فقد رأيت السيارة، ولا يمكن أن يخرج منها السائق حيًا. وهو ابنك حقًا وصدقًا. وزوجتي مجنونة، عندها مشكلة نفسية بسبب ما تعرضت له في مديرية أمن النظام السابق. وقرارها في إنهاء حياة طفلتها عمق الأزمة النفسية لديها. أرجو المعذرة لكل ما سببناه لكم."


مشاهدات 1110
الكاتب مازن الحمداني
أضيف 2025/02/15 - 2:59 PM
آخر تحديث 2026/06/11 - 8:39 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 533 الشهر 11508 الكلي 15886989
الوقت الآن
الجمعة 2026/6/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير