الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخشونة‭ ‬والليونة

بواسطة azzaman

الخشونة‭ ‬والليونة

محمد زكي ابراهيم

 

‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الأسى‭ ‬عندي‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ (‬الخاصة‭) ‬إلى‭ ‬الغلظة‭ ‬في‭ ‬مواضع‭ ‬لا‭ ‬تستدعي‭ ‬الغلظة،‭ ‬وإلى‭ ‬الخشونة‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬الخشونة‭.‬

ومازلت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬على‭ ‬رموز‭ ‬النهضة،‭ ‬فهم‭ ‬يمثلون‭ ‬بحكم‭ ‬مواقعهم‭ ‬هذه‭ ‬حصانة‭ ‬من‭ ‬الإسفاف،‭ ‬وعصمة‭ ‬من‭ ‬الابتذال،‭ ‬ونجاة‭ ‬من‭ ‬الإثم‭.‬

مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬الخصومات‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬الفكر،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬بعث‭ ‬المساجلات‭ ‬بين‭ ‬قادة‭ ‬الرأي،‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬وزمان‭.‬

‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬وجوهه‭ ‬إيجابياً،‭ ‬فالمعارك‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬مثلاً،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬خلقت‭ ‬مناخاً‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬انتعاش‭ ‬الصحافة،‭ ‬وازدهار‭ ‬سوق‭ ‬الكتب،‭ ‬وأوجد‭ ‬إقبالاً‭ ‬واسعاً‭ ‬على‭ ‬الندوات‭ ‬والمجالس،‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية‭.‬

‭  ‬وكان‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬من‭ ‬خاضوا‭ ‬هذه‭ ‬المعارك،‭ ‬وانغمسوا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات،‭ ‬أشخاص‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭.‬

‭ ‬عرف‭ ‬عن‭ ‬هؤلاء‭ ‬النقد‭ ‬الجارح،‭ ‬والهجوم‭ ‬العنيف،‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يخالفهم‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬أو‭ ‬يناقضهم‭ ‬في‭ ‬المبدأ،‭ ‬وكانوا‭ ‬لا‭ ‬يتساهلون‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬يخرج‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬اللغة،‭ ‬أو‭ ‬ثوابت‭ ‬السياسة،‭ ‬أو‭ ‬قوانين‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويفترضون‭ ‬في‭ ‬أنفسهم‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬الغير،‭ ‬والقوامة‭ ‬على‭ ‬الرعية‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬أشهر‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬افتعلوا‭ ‬الخصومات‭ ‬الأدبية‭ ‬الدكتور‭ ‬زكي‭ ‬مبارك،‭ ‬وكان‭ ‬رجلاً‭ ‬شجاعاً‭ ‬صريحاً،‭ ‬لا‭ ‬يخاف‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والسياسة‭ ‬لومة‭ ‬لائم،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬خاطب‭ ‬أستاذه‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬على‭ ‬مدرج‭ ‬الجامعة‭ ‬قائلاً‭ “‬لا‭ ‬تتعالوا‭ ‬علينا،‭ ‬ففي‭ ‬وسعنا‭ ‬أن‭ ‬نساجلكم‭ ‬بالحجج‭ ‬والبراهين‭!”.‬

‭ ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬التجريح‭ ‬هوى‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬أسفل‭ ‬وحرمه‭ ‬من‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬المصرية‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬حاز‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬شهادات‭ ‬دكتوراه‭.‬

‭ ‬ولم‭ ‬يكتف‭ ‬مبارك‭ ‬بهذا‭ ‬الصنيع‭ ‬فقد‭ ‬ابتدأ‭ ‬رسالته‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬السوربون‭ ‬بفصلين‭ ‬نقض‭ ‬فيهما‭ ‬آراء‭ ‬رئيس‭ ‬لجنة‭ ‬امتحانه‭ ‬المسيو‭ “‬مرسيه‭”! ‬وهم‭ ‬بمهاجمته‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬لابتداء‭ ‬درسه،‭ ‬رغم‭ ‬نصيحة‭ ‬البعض‭ ‬له‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يبخل‭ ‬عليه‭ ‬الرجل‭ ‬بالشهادة،‭ ‬وهذا‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬النبل‭ ‬لا‭ ‬يتوفر‭ ‬إلا‭ ‬عند‭ ‬أعاظم‭ ‬الرجال‭.‬

‭  ‬وأورد‭ ‬الأستاذ‭ ‬جعفر‭ ‬الخليلي‭ ‬نتفاً‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬جواد،‭ ‬اتسمت‭ ‬بقدر‭ ‬غير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬القسوة‭ ‬والشدة،‭ ‬وروى‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬صعب‭ ‬المراس‭ ‬يوم‭ ‬كان‭ ‬معلماً‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الابتدائية،‭ ‬فنال‭ ‬تلامذته‭ ‬منه‭ ‬صنوف‭ ‬العذاب‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هؤلاء‭ ‬المساكين‭ (‬خلدون‭ ‬ساطع‭ ‬الحصري‭)‬،‭ ‬فلم‭ ‬يتورع‭ ‬عن‭ ‬ضربه‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬أباه‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬وزارة‭ ‬المعارف‭ ‬يومئذ،‭ ‬وشغل‭ ‬منصب‭ ‬معاون‭ ‬الوزير‭ ‬ثم‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬الوزارة‭ ‬ومراقب‭ ‬التعليم‭ ‬العام،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬المناهج‭ ‬وجلب‭ ‬المعلمين‭ ‬ورسم‭ ‬سياسة‭ ‬العملية‭ ‬التربوية‭.‬

ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬شكا‭ ‬لأبيه‭ ‬ما‭ ‬لحقه‭ ‬من‭ ‬أذى‭. ‬لكن‭ ‬الأب‭ ‬لم‭ ‬يتدخل،‭ ‬ولم‭ ‬يكترث‭ ‬للموضوع‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬الحصري‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬التصرف‭ ‬بذات‭ ‬الطريقة‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يخالفونه‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬وانتقد‭ ‬معظم‭ ‬–‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جميع‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬لقيه‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬حينما‭ ‬حل‭ ‬في‭ ‬بلادهم،‭ ‬لسبب‭ ‬أو‭ ‬لآخر،‭ ‬وانتهى‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬بالقطيعة‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬أن‭ ‬مصطفى‭ ‬جواد‭ ‬تعرض‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الصنيع‭ ‬حينما‭ ‬أصبح‭ ‬أستاذاً‭ ‬كبيراً،‭ ‬ففي‭ ‬إحدى‭ ‬المرات‭ ‬وجه‭ ‬نقداً‭ ‬لاذعاً‭ ‬للشاعر‭ ‬معروف‭ ‬الرصافي‭ ‬وهو‭ ‬جالس‭ ‬يستمع‭ ‬إليه،‭ ‬ولم‭ ‬يدر‭ ‬أنه‭ ‬اسرف‭ ‬في‭ ‬كلامه،‭ ‬حتى‭ ‬اثار‭ ‬امتعاض‭ ‬الأخير،‭ ‬فوجه‭ ‬له‭ ‬كلمة‭ ‬نابية‭ ‬بالعامية‭ ‬أشد‭ ‬وقعاً،‭ ‬وأكثر‭ ‬إيذاءً‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ (‬صه‭) ‬العربية‭!.‬

‭ ‬ولست‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬وغيره‭ ‬إلا‭ ‬اعتداداً‭ ‬زائداً‭ ‬بالنفس‭ ‬لا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬المكانة‭ ‬العلمية‭ ‬لصاحبها،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬لو‭ ‬اتسع‭ ‬صدره،‭ ‬وهدأت‭ ‬روحه،‭ ‬وانفرجت‭ ‬أساريره،‭ ‬فذاك‭ ‬لعمري‭ ‬أفصح‭ ‬في‭ ‬الإشارة،‭ ‬وأجدى‭ ‬في‭ ‬الإقناع،‭ ‬وأبلغ‭ ‬في‭ ‬الرد‭.‬


مشاهدات 219
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2024/06/22 - 3:33 PM
آخر تحديث 2024/07/19 - 1:11 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2 الشهر 8334 الكلي 9370406
الوقت الآن
السبت 2024/7/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير