الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أسلوبيّة بناء الشخصيّة في تيهٌ خرائط مجهولة
مصعب مكي زبيبة

بواسطة azzaman

أسلوبيّة بناء الشخصيّة في تيهٌ خرائط مجهولة

مصعب مكي زبيبة

استطاعت رواية (تيهٌ في خرائط مجهولة) بموضوعها المختلف أن تطرح أفكارا ورؤى مختلفة أيضا؛ لها خصوصياتها، ومعالجاتها الفنية. فقد استطاع الروائي ناظم جليل الموسوي أن يخلق شخصيّاته، أو (فواعله) المختلفة في سلوكيّاتها وتصرفاتها، ومواقفها، وردود أفعالها، في رواية واقعيّة بأفق مستوٍ ممتد غير منكسر التوقّع و الزمن، فلم يستعمل الروائي السرد المتقطّع، الذي يفلت خيط التسلسل الزمني المحكم منه، وبما أنّ الرواية مصمّمة على بنية مركزيّة محكمة، فقد كانت للرواية فاعلها الرئيس (المحوري)، والفواعل الثانويون، ولكنّها كوّنت لها شبكة من العلاقات المتشابكة المعقدة: (المتصالحة ـ المتعادية)؛ ولهذا يصعب علينا أن نقبض على بطلها المتفرّد بالأحداث بسهولة.

كانت شخصية (سلمى) محور هذا الاشتباك والتناحر؛ كانت هي الراوي العليم في كلّ أقسام الرواية عدا بدايتها؛ إذ بدأت بصوت الراوي (جابر). فـ (سلمى) الشخصيّة المحوريّة، ولا أقول الرئيسة، فهناك من الفواعل في الرواية ما يمنعها من التفرّد والاستحواذ؛ ويبدو أنّ السيّد ناظم جليل الموسوي قد بثّ الحياة في كائناته الورقيّة، على وفق تعبير (رولان بارت)، بما يختزنه من روافد ثقافية، واجتماعية، وهو يضيف ويجتزئ، ويضخم ويبالغ، في تصوير تلكم الكائنات، فكانت بحقّ مرآة حقيقية لمجتمع تعمّه التناقضات، والتشظيات والتوافقات، والتصارع، والتهادن.

فالرافد الثقافي نجده: عندما يسعى (جابر) إلى أن يربي كلابه الشرسة، فيلتقي بأبي غازي: الذي يقع على بعد مسافة زمنيّة تقدر بساعتي مشي على الأقدام، كان بحاجة إليه جابر؛ ليتلقى منه النصائح، والاستشارات حول تربية الكلاب بكلّ تفاصيلها الخفية، فقد تعلّم هذه المهنة من أجداده، وتجارب الحياة. فهل تجربة أبي غازي هي تجربة المؤلّف نفسها؟. ولا سيّما أنّ السيّد ناظم مهتم بتجارب الحياة الاجتماعيّة الريفيّة وتربية الحيوان، ومراقبة أنماط عيشه، فضلا عن هوسه بالزراعة، ومشاريع الخضرة، والجمال. وضمن هذه التجارب نتعرّف في الرواية على شخصيّات كثيرة، تزحف من الظلّ إلى زوايا الضوء؛ من أجل أن تنمو شخصيّاتها؛ لترفد الشخصيّة المحورية الأخرى: (جابر)، ومن تلكم الشخصيات على سبيل المثال:

كلاب الحراسة

ـ منصور الراعي: مربي الأغنام، الذي يتفاوض لشراء جراء أربعة، من جابر.

ـ عارف: الذي يحبُّ أن يحصلَ هو الآخر على جراء من جابر، فيقايضه جابر بأن يعطيه إحدى كلابه للحراسة مقابل نعجة، ستنجب بعد شهرين.

ـ سعد الدلّال: صاحب خان كبير، فيه متروكات لأدوات احتياطيّة، وقطع غيار السيّارات، عنده كلب بوليسي أسود اللون.

ـ الكلبة (صاعقة) التي ربّاها جابر، وزاوجها من كلب سعد الدلّال البوليسي؛ لتولد له جراء نادرة، ومن هنا يبدع المؤلّف، باختراع شخصيّات غير بشريّة، ولم تتورّع الرواية في ذلك، فأسست لها شخصيّات من الحيوان، وكانت مؤثّرة في البناء الفني للرواية، فمن تلك الشخصيّات غير الإنسانيّة أيضا:

كلب الأم (عنتيك): الوفي لها، الذي حاول أن ينقذها بعضِّ الزوج (عمران)، فكان مصيره أن ضربه بالفأس أردته إلى الأرض ميتا.

كلّ تلكم الشخصيّات تخدم الحدث الروائي الذي ينهل من الرافد الثقافي والاجتماعي إطارا له؛ لتتمازج شخصيّات الرواية بالشخصيّة الواقعيّة بدمها ولحمها، ويتصارع الكيان الخارجي (السيكولوجي)، بالكيان الخيالي الرحب، أو تتحوّل الشخصيّة بقضيتها اللسانيّة على حدّ تعبير (تودوروف) إلى قضية واقعيّة، معاشة، تتأزّم وتحزن لمجرياتها وحبكتها وأحداثها.

تتّصف شخصيّات الرواية (تيه في خرائط مجهولة) بالمعيار المضموني، بأن تقدم الشخصيّة نفسها، مباشرة بأسمائها، من دون مراوغة وغموض أو استعانة بالضمائر، أو الغياب والحضور؛ أو التخفي؛ ولهذا تُعدُّ الرواية من الروايات الواقعيّة في معالجتها الفنيّة، وبنائها السردي، وكان الحوار عاملاً مساعداً في ذكر أسماء شخصيّات الرواية، بحسب مقتضيات البناء القصصي، وما يفرضه من مهيمنات أسلوبيّة، فنجد شخصيّات رئيسة قد أدّت دورها، ثم انقطعت؛ لتعود بقوّة وتأثير مهول في نهاية القصّة، من قبيل شخصيّة الأم (زوجة الأب عمران): تلك البريئة التي عانت الضرب العنيف المبرح، فتلوذ بالصلاة، والدعاء الحزين؛ ليخفف من آلمها وأحزانها وتعنيفها الموجع، ونوبات البكاء، فالندوب في جسدها، والكدمات واللكمات كخرائط المدن المهجورة؛ لأنّها كانت في خصام دائم مع الزوج؛ بسبب سرقته للبقر والأغنام من القرية، وإطعام عائلته لقمة الحرام؛ ولهذا كانت في شجار دائم؛ بسبب تمرّد الزوج وإيغاله بالسرقات. ينتهي الأمر بالزوجة إلى الموت، عندما ترفض أن تبيع بقرتها التي تمدّ العائلة بالحليب ومشتقاته من أجل نزوات الزوج، ولهذا يغضب؛ فيلتقط صخرة بيده؛ ليضربها بها على رأسها، لتسقط على الأرض مغشيا عليها مضمخة بالدماء، وقد فارقت الحياة؛ ليلوذ الزوج (عمران) بالفرار، وربّما يحيلُ هذا المشهد بدوره إلى مرجعيّات سياسيّة، يلقي بطرف خفي للفساد الذي عمّ البلاد أيام الحصار وويلاته في تسعينيات في القرن الماضي، وقد تلوثت النفوس المريضة، نظرا للضائقة المالية الصعبة، فعمت السرقات التي لم يسبق لها مثيل، أمّا الأخيار والذين حافظوا على ضمائرهم، فكان مصيرهم مصير تلك المرأة البريئة، إمّا الجوع أو التشرد في الخارج أو التهميش أو القهر والظلم.

كان مشهد سقوط الزوجة ميتة في الصفحات الأولى من الرواية، ولكنّ العودة لتلك الشخصيّة المحورّية (الأم ـ الزوجة) تحصل في الصفحات الأخيرة من الرواية في نهاية القصّة، عندما تأخذ سلمى أخاها إلى مقبرة العائلة، وحينما يرى جابر قبر والده، تناوله سلمى الماء فيبلّ ريقه اليابس، لم يستجوبها، كان ظهور قبر الأب مخيفا لجابر، وهو يتنقل بين القبرينِ (قبر الأب، وقبر الأم)، ويستردُّ بعض انتباهه، طاب له صمتها، وسيل دموعها، ووقوفها كالخشبة، انعدمت فيها الروح، وقبل أن يسحبها؛ قال جابر: لنغادر المكان، فأنا الولد البار، جعلت العشب والآس ينمو على سفح قبر أمي، وأنا الولد العاق الذي سيمنع العشب من التمدد والنمو نحو سفح قبر أبي.

إذن تعود الأم (الشخصيّة المحوريّة)، ليس بشخصها المادي، بل في شخصها المعنوي ـ القبر ـ وهي نهاية صادمة نجح فيها المؤلف بأن تلتقي خيوط الحبكة في نهايتها ببدايتها.

وكان موفقا في خطابه الثقافي الذي يصوّر حياة الريف التي من معالمها الثقافيّة اضطهاد المرأة، ورسم معالم ضعفها الاجتماعي، بأن تكون البداية بالضرب المبرح، والنهاية في عتمة القبر. ويطرح المؤلف خطاب الرواية، أو الرؤى التي تتبنّاها، بصورة صريحة عند القول: (فكيف تتعلّم وهي في سجن البيت، لم تقابل أي شخص وامرأة منذ ثماني سنوات؟ كيف يكون منفى المرأة الشرقية داخل البيوت؟).

استطاع البناء الفني للرواية أن يرسم معالم شخصياته، واختيار ملامحها، والإحاطة بأفكارها، ومضمونها الإنساني، وإفراغها بمرجعيّاتها الثقافيّة، والاجتماعيّة وحتّى السياسيّة، ففي شخصية الأب (عمران) تحضر كلّ تلكم البنائيّة؛ ليرتفع إيقاع الرواية، وتحدث صدمات الحبكة، فعمران: ذلك المشبّع بالعدوانيّة والبشاعة، المتهوّر الذي تلبّسه الجنون، بأن ينشب أظافره بجسد زوجته، ولا يتورّع عن تعنيفها أمام أبنائها، الواقع بفخ الخطيئة، الذي يغرس في قلوب عائلته البؤس والشقاء والكره؛ قد غادرته الرحمة والرأفة منذ زمن طويل. فقد رسم الراوي كلّ معالم شخصيته، وصفاتها، بدقّة وتميّز يمكن القارئ من معرفة شخصيّات الرواية وكأنّه يراها، ويتكلّم معها، ويتفاعل معها.

ويوازن المؤلّف بين أحداثه وشخصيّاته، في حركة دؤوبة تسعى لنمو الأحداث، التي تجعل القارئ يغور في أعماق العمل الروائي، فيلجأ المؤلّف إلى تقنية التقابل بين الشخصيّات والتوازن بينها، بعرض مواقفها المتناقضة بوساطة (الإخبار) في تقديم بعض الشخصيات، واصفا طبائعها، أو حتّى من خلال اعترافاتها، هذا التقابل نلحظه في شخصية (حميد الوكيل)، والأب (عمران)، ففي شخصية: (حميد الوكيل): نجده ذلك الإنسان الطمّاع البخيل، الذي يفاوض (جابر) على بقرتهم مقابل أن تُدفن الأم، والذي يبثّ الإشاعات المغرضة لحادثة القتل؛ لينشر العار والفضائح، ويسانده بعض ضعاف النفوس من أهل القرية، واصفا إياه: (بأنّه بوق يتجوّل بالقرية يبثّ الفرقة بين أبنائها، بطرائق شيطانيّة، يتسلّل إلى البيوت خلسة، وهو يرسل إشارات كاذبة وخادعة كثَمَلٍ أتاح له السُّكر أن لا يغلق فمه، وحتّى امرأته صارت مهووسة ببثِّ الأكاذيب. كان يمطرهم بالشتائم ويهددهما بمنع حصتهما المائيّة التي يسقيان بهما نخيلهما، ومحاصيل أرضهما).

ومن خلال من يمكن التعبير عنه بالاعترافات الشخصيّة يوضّح ملامح التغيّر في الشخصيّة، سواء أ كان التغيير في الإيجاب، كالذي حصل لشخصيّة (حميد الوكيل)، ذلك التغيير المحوري الذي حصل عندما تعرّض للدغة أفعى سامّة؛ لطلبت زوجته النجدة من جابر، الذي ساعده، وأنقذ حياته، وعندما استعاد حميد حياته صار على هداية، مساعدا للفقراء، ووفى بوعده بأن يعطي لجابر بقرة، التي سرعان ما سرقت في يوم مظلم ماطر؛ ولهذا قرّر أن يربي كلاب حراسة شرسة، ترد عنه اللصوص، والمتربصين.

في مقابل هذه الشخصيّة يضع لنا المؤلّف شخصية (عمران) الأب، العصية عن التغيير في طباعها، ليتحصل التلازم والتقابل بين الأحداث والشخصيات في ارتباط وثيق.

ونلاحظ أيضا في شخصيات الرواية شخصية التناقض الاجتماعي، وهذا ما حصل من تغيير سلبي، في شخصية (جابر) عندما أودع خالته (نزيهة) دار المسنين؛ وهي التي كانت تعتني به وبأخته، بعدما أوهمها؛ محتالا عليها بالذهاب إلى المشفى لأجل معالجتها؛ إذ تتفاجأ (سلمى) بوجود خالتها في غرفة منعزلة عن جميع النزلاء في دار المسنين، وهي تسعل، بعد أن أوهمها جبار بأنّ خالتها تقضي بقية حياتها في السماوة عند أخيها. فكانت ردة فعل الخالة نزيهة الخرساء أن قامت بوجهها ودفعتها، وهي تكثر من إشارات الطرد لها، فتتعجب من تغير أخلاق أخيها، فتجزم بأنه مجرم وقاطع سبيل الرحمة، فكلابه المتوحشة أرحم منه.

وهناك من الشخصيات من تقدّم نفسها بوساطة الآخرين، أي أن شخصياتها وخصائصها وأقوالها وتصرفاتها لا تظهر من دون شريك فاعل، أو لا تظهر في حد ذاتها، ونلاحظ هذه الشخصيات كثيرة في رواية (تيه في خرائط مجهولة)، ومن تلكم الشخصيات التي ظهرت بوساطة شخصية الأب وأحداثه، شخصية: نافع الصيّاد: الذي يدلي بشهادته في المخفر، إذ رأى أبا جابر؛ وقد عبر الشط سباحة للضفة الأخرى، متنكّرا بزي مجنون. وشخصية: (فاخر الأسمر) شريك (عمران) في سرقة الأبقار والأغنام من القرية والقرى المجاورة، وبيعها بالمدن المجاورة.

و (العقيد ثائر الشمري): محقّق الأدلة الجنائيّة، لمعرفة تفاصيل جريمة قتل أم جابر.

فقد ظهرت هذه الشخصيّات من خلال شخصية الأب (عمران)، ولولا صيرورته لما كانت.

وهناك شخصيات ظهرت بوساطة شخصية (سلمى) عندما أصبحت باحثة اجتماعيّة في دار المسنين، فتتعرّف على كثير من الشخصيات، فلكلّ فرد قصّة:

ـ خولة، الرياضية، وسامح الرسام، اللذان يتزوجان بمساع حثيثة من سلمى.

ـ كريم الذي قال لسلمى جملة واحدة وبعدها صمت، ذلك المشرد الذي تستفزه عذابات قديمة، يا لكثرة الآهات والحسرات في هذا المكان ليس وحدهم يشعرون بالأسى، فهي مثلهم تغسل خدها الدموع، وهي رسالة تضامن إنسانية خلاقة تبثها الرواية عبر مسرودتها.

أو الشخصيات التي نشأت عندما انتقلت (سلمى) إلى قسم الأمراض النفسية والعقلية في الشماعية بمركز الرشاد في معايشة استمرت أقل من ثلاثة أشهر.

فكانت شخصية (سعاد) المسؤولة في القسم، وشخصية (نسرين)، وشخصية (وسام): الذي جاء إلى هذا المشفى عن طريق الخطأ، فقد كان أبوه إمام جامع يحثّ على الطائفيّة والكراهيّة، ولهذا عارض أفكار أبيه، فمن كان من أبيه إلّا أن يودعه الشماعيّة

هذه الشخصيات لم تأت من أجل ملء الفارغات في النص الروائي، بل جاءت ممهدة للحدث المفصلي في الرواية، أو ما أسميه (الصدمة)؛ حيث تجد سلمى أباها (عمران)، في دار المجانين، وهو مصاب بالسكري، فعندما هرب بعد قتل زوجته، قد تنكر بزي المجانين وأفعالهم، حتى أتقن اللعبة، فصار مجنونا حقيقيا، وقد أيقن أن الشماعية هي أفضل من قضبان السجن أو الإعدام، أو أنّ الناس قد اشتكت من ذلك المجنون فأودعته الشماعية. وعندما يلتقي عمران ببنته، يبصق بوجهها. ولكن الرواية لم تصرح هل أصبح مجنونا حقيقة؟، أو أنه كان يمثل دور المجانين، لتجعل القارئ هو من يستنتج ويستخرج بالنتائج.

تسأل سعاد مسؤولة القسم، عن كيفية دفن الموتى من النزلاء، فتخبرها أنّ دفنهم يكون في مقابر خاصة، أو يتعهد أهلهم وأصدقاؤهم بدفنهم، أو عن طريق تطوّع أحد الأشخاص، فما كان منها إلّا أن تحرّر طلبا إلى المدير بالتطوّع بدفن الرقم (34)، بوصفها حالة إنسانيّة من دون أن تبصّيرهم بالحقائق، تاركة رقم هاتفها، وخرجت مسرعة من دون أن تنظر إلى الوراء، وبعد عامين يأتيها الهاتف بموت النزيل عمران رقم (34)، تسير في جنازته وحدها، وهي تفكر كيف تتخلى القلوب عن محبيها، وعيوب أبيها تأتي على بالها كلّ لحظة، فتشعر أن شفتيها ترتجفان، وعينيها ترفان كأنّها ترى الموت قد تقلّدها، وبدأ الخوف يأكل قلبها. حيث أحسّت أنّها في مضمار الضياع، بعد أن غادرتها أمّها وجفاء أخيها ونفور خالتها نزيهة منها.

بهذه النهاية الصادمة تنتهي الرواية، وقد بثت مرجعيّات بيئية واجتماعيّة وإنسانيّة وحتّى سياسيّة.

لقد تمكنت لغة الرواية أن تجد لها أسلوبها المتميز في السرديات التي تنبش في خفايا المجتمع، وظواهره المستترة، وتضفي أشكالا من التشويق، والنظام المتتابع، وقد تعددت في أساليبها، فهي تتكلم بلغة مجتمعها، مرتهنة بحياتهم، ولهذا كانت متعددة الألوان، مختلفة المشارب، فلكل مجتمع لغته، ولكلّ شخص لغته، ولهذا لم نجد تباينا بين الشخصية ولغتها، وهذا ما جعلنا لا نمل من قراءتها، وهي لا ترتد على أعقاب السائد والتقليدي، بل تحولت في لغتها السردية إلى فضاء الأدبيّة، وكانت لغة مشغولة برؤى التحرر، ومناهضة القهر، تطمح بحلم الإصلاح والعدل، تتأزم لتحقق الانفراج، ومن هنا حققت مسار التشويق، الذي طفا على سطح الأحداث، فهي لغة تحيل إلى الاعتدال والوطنية، مشبّعة بالمبادئ التربوية، وهي نموذج لنبذ الرجعية، والأساليب البالية، التي تجاوزها الزمن، مساندة للحرية والتحرر، وهي مساهمة جادة لكلمة الفكر وتغليب العقل. لقد كانت الرواية زاهية بلغتها الشعرية، واللغة السردية من دون اللغة الشعرية تصبح جثة هامدة لا حراك بها، ولسوف أعطي مثالا واحدا على ذلك الدفق الجمالي والإبداع النثري، يقول الكاتب ناظم جليل الموسوي: (في غرفة رقم (6) تقبع خولة المرأة المنسية، وقد جفّ أملها، وتراءت لعيني سلمى أنها رأت ما يشبه بدلات العرس، يثير انتباهها، تسألها، يكون الجواب مخضلا بالأسى والحزن ودموع القلب، ليعبر عن مأساة جناها مجتمع متخلف يحاصر المرأة ولا يمنحها حقها، تقول خولة: (أحب الرقص، ومرات تتوق نفسي للعرس، فأختلي بها في الثلث الأخير من الليل؛ لأقيم عرسا من طرف واحد، وأشعل شمعتين، ولم أنم؛ فسرعان ما ينتابني الهذيان؛ لأقتص من تلك الليلة العقيمة الخالية من العناق، فلا أجد حضنا ألوذ به، ولا شعرا أسود أصبغ به ليلي، ولا عينين جاحظتين احتشد بهما الشوق، تنزلان بأحضاني شرارة الشبق، في كلّ ليلة كنت أبحث عن كتفي رجل اتكأت عليه أناملي المرتجفة، وهي تتسلق بالمعنى الحقيقي إلى وجهه؛ لتجتزئ قبلة كان ميقاتها انفجار الرغبة لديّ، وقبل أن يزجرني بنظراته الواجمة لأفشل في مساعي الوصول إليه، إلى الآن لم أكتشف طعم القبلات، كنت أتوق لكل شيء فاسقط بالفخ بفاجعة بحجم دموعي وهي بمثابة أحد أبواب الانتحار).

لقد خاضت الرواية بقوة واندفاع في مرجعيات اجتماعية معقدة، ومسكوت عنها، وهي أحد تابوهات المجتمع، ومنها قضية النهوة العشائرية، وتعطيل الفتاة من الزواج، وهذا ما نلاحظه في شخصية (خولة) الساكنة في غرفة رقم (6)، في دار المسننين: في غرفتها يعبق ماء الورد، وشرشفا أبيض، وأفراح مؤجلة، ورفوف ثلاثة من الكتب، يتصدرها كتاب البؤساء، وبدلة عرس بيضاء، قد فقدت بريقها، تحب الرقص، وتتوق نفسها للعرس، أرادت أن تقتص من جسدها المعطل بأن تفتض بكارتها، ولكنها تغشى الخطوط الحمراء التي وضعتها القبيلة، ستموت وهي ما تزال عذراء، لتسقط على سريرها كدمية صامتة، تختنق باليأس، تختصر عذابات النساء المكتومة، الموجوع لا يتراجع عن وجعه، لا يمكن أن ينساه أبدا، كل واحدة منهن حصّنت نفسها بصبر يجلده الأسى، يعشن بقلب محترق، مشردات ما بين الشوارع والحدائق فكان الذل يتكرر على وجوههنّ، وصلة الأرحام قد لفظت أنفاسها الأخيرة، ولهذا كان مشروع زواجها من الرسام (سامح) مشروع حياة جديدة بعد موت حقيقي، بقيت ترقص له فرحا طوال الليل.

لقد ابتعدت الرواية: (تيه في خرائط مجهولة) عن النمطيّة والمعتاد والسائد، بل توسّعت بالمعاش الرمزيّ، في عصر بات فيها الإنسان غير قادر على السيطرة على واقعه، وحلّ مشكلاته المعقّدة، ومعرفة أفقه المستقبلي، وهذا ما نجده على سبيل المثال في ولوج (سلمى) لدار المسنين، أو إلى قسم الأمراض النفسية والعقلية؛ إذ يبدو التغريب النفسي، والتشظي الروحي، والتفتت المجتمعي؛ ولهذا تمثّلت شخصيّات الرواية هذا العجز عن الفهم الممتنع عن الثبات، وصورت الهلامية في المشهد الواقعي، والتصارع على المكاسب والغنائم، ولهذا عاشت شخصيّاتها حالة من الإشكاليات والاضطرابات والتناقضات.

وقد نجح القاص ناظم جليل الموسوي بأن يظهر هذه المرجعيّات بصورة خفية عبر كائناته الورقيّة (الشخصيات). وفي النهاية أقول إنّ رواية (تيه في خرائط المجهول) عمل كبير يستحق القراءة والتجوّل في مدنه وأحداثه وحبكته، والتعرف على شخصياته والتحاور معها.


مشاهدات 318
الكاتب مصعب مكي زبيبة
أضيف 2024/03/22 - 10:30 PM
آخر تحديث 2024/05/29 - 10:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 178 الشهر 11605 الكلي 9349643
الوقت الآن
الأربعاء 2024/5/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير