الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنتصار الدم رسالة كربلاء الخالدة

← بواسطة azzaman

انتصار الدم رسالة كربلاء الخالدة

رافد حميد فرج القاضي

 

ظهرت في الآونة الأخيرة دعوات على منصات التواصل الاجتماعي تطالب بإقامة مجسّم لمحافظ كربلاء المقدسة الأستاذ نصيف جاسم الخطابي الذي تربطني به علاقة محبة واحترام وان هذه الدعوات اعتبرها دعوات رائعة وجميلة من باب الوفاء لأنجازاته لكنني أرى أن من الواجب أن نتوقف عندها وقفة تأمل ليس من باب التقليل من شأن ما يُنجز من قبل المحافظ بل من باب إعادة توجيه البوصلة نحو ما هو أعمق وأبقى بتاريخ هذه المدينة التي لم تكن يوما مدينة عابرة في ذاكرة الإنسانية .

إن المحافظ مهما كان حجم ما يقدمه من أعمال ومشروعات وخدمات ليس بحاجة إلى تمثالٍ يجسّد صورته لأن أعماله هي المجسم الحقيقي وإنجازاته هي الشاهد الذي يقف في وجه الزمن وما يتركه المسؤول من أثرٍ في حياة الناس هو الذي يمنحه مكانته في ذاكرة المدينة لا حجرٌ يُنحت على هيئة جسده واجزم بان المحافظ يتفق معي في هذا الرأي.

لأن المسؤول الذي يخدم مدينته بإخلاص ويترك فيها أثرا نافعا إنما يقيم لنفسه مجسما من نوعٍ آخر مجسما لا تصنعه الأزاميل ولا تحدّه مساحة الأرض ولا تذروه الرياح إنه مجسما يتشكّل في وجدان الناس ويكبر بقدر ما يزرع من خير ويبقى بقدر ما يخلص في أداء واجبه.

لكن السؤال الذي أطرحه اليوم بكل محبة وغيرة منا على كربلاء هو:

أليست هذه المدينة العظيمة أولى بمجسم يخلّد هويتها الحضارية والإنسانية....؟

أليست كربلاء التي اختصرت في أرضها واحدة من أعظم الملاحم الأخلاقية في التاريخ جديرةً بأن يكون لها مجسم يخلّد مبدأً ويحتفي بانتصارٍ خالد...؟

إن كربلاء ليست مجرد مدينةٍ تُدار بل هي رسالةٌ تتجاوز حدود الجغرافيا وهي ذاكرةٌ تتجاوز حدود الزمن وهي المكان الذي صار فيه الدم لغةً للحرية والسيف عنوانا للبطش ثم انتهت الحكاية إلى حقيقةٍ لا يستطيع التاريخ محوها:

( انتصار الدم على السيف )

ذلك الانتصار الذي لم يكن انتصارا عسكريا بالمعنى المادي بل كان انتصارا أخلاقيا وإنسانيا وحضاريا انتصارا للحق على القوة وللمبدأ على المصالح وللضمير على الطغيان وللخلود على الفناء.

إن الحضارات العظيمة تخلّد قيمها ورموزها وملاحمها والأمم التي تعرف قيمة تاريخها لا تكتفي بروايته في الكتب بل تجسّده في الفن وتمنحه هيئةً بصريةً تقف أمام الأجيال شاهدةً على ما صنعته من مجد.

ومن هنا فإنني أتمنى أن تلتفت الحكومة المحلية في كربلاء وأن يلتفت كل من يملك القرار والرؤية إلى مشروعٍ حضاري يليق باسم هذه المدينة مشروع إقامة مجسم فني يخلّد انتصار الدم على السيف ويجعل من كربلاء فضاءً فنيا مفتوحا يستحضر أعظم معاني التضحية والحرية والكرامة الإنسانية.

وإنني بصفتي فنانا تشكيليا ونحّاتا أعلن استعدادي التام لأن أقدّم عملي النحتي الذي يجسّد هذا المعنى العظيم من دون أي مقابل مادي وفاءً لكربلاء وانتماءً إلى تاريخها وإيمانا بأن الفن حين يخدم ذاكرة المدن يصبح رسالةً تتجاوز صاحبه.

لديّ بالفعل مجسّم نحتي مصغر يمثّل فكرة ( انتصار الدم على السيف ) وهو ليس مجرد كتلةٍ من الحجر أو صورةٍ من البرونز بل رؤية فنية تختزل فلسفة كربلاء في تكوينٍ بصريٍّ يعبّر عن انتصار القيمة الإنسانية على العنف وعن خلود التضحية في مواجهة زوال القوة.

وكل ما يحتاجه هذا المشروع هو تهيئة المكان المناسب الذي يليق بعظمة الفكرة وتوفير متطلبات تنفيذه على أن يكون العمل منحوتا من حجر البازلت ذلك الحجر الذي يحمل في صلابته دلالةً تتناغم مع صلابة الموقف وفي سواده عمقا بصريا يليق بموضوعٍ تتداخل فيه الذاكرة والمأساة والخلود.

إنني لا أطرح هذا المشروع طلبا لشهرة ولا سعيا وراء امتياز ولا رغبةً في تسجيل اسمٍ على قاعدة مجسم بل أطرحه لأنني أؤمن أن الفنان الحقيقي لا ينحت الحجر فحسب بل ينحت ذاكرة المكان وأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمدينته هو أن يترك فيها أثرا يليق بتاريخها.

ولعلّ من الجميل أن يأتي يومٌ يقف فيه الزائر من كل العالم أمام هذا المجسم هذا فيسأل: ما الذي أراد هذا العمل أن يقول...؟

فتجيبه كربلاء من أعماق تاريخها:

هنا انتصر الدم وهنا انكسر السيف أمام الحقيقة وهنا تعلّم العالم أن القوة قد تقتل الجسد لكنها لا تستطيع أن تقتل المبدأ.

إنني أطمح إلى أن يكون لكربلاء مجسم يخلّد قضية ويرفع صورة كربلاء الحضارة الواعدة ويتحدث حكاية انتصارٍ لا ينتهي بانتهاء الزمن.

فالمحافظ نصيف الخطابي استطاع أن يخلّد أعماله في خدمة المدينة أما كربلاء فإنها تستحق أن يُخلّد تاريخها في عملٍ فنيٍّ يليق بمكانتها بين مدن العالم.

ولأنني ابن هذه المدينة ولأنني أحمل في يدي إزميل النحّات وفي قلبي ذاكرة كربلاء أضع هذا المشروع أمام المسؤولين وأمام الرأي العام راجيا أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

فليكن مجسم كربلاء مجسم الحضارة مجسم التضحية... مجسم انتصار الدم على السيف… وليكن الحجر شاهدا على أن كربلاء ذاكرة لا تموت...

 

 


مشاهدات 25
الكاتب رافد حميد فرج القاضي
أضيف 2026/11/07 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/11/07 - 11:41 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2110 الشهر 15029 الكلي 16665563
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير