الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحياة حلوة.. خضعت لعملية نقل الدم اكثر من 600 مره 

← بواسطة azzaman

الحياة حلوة.. خضعت لعملية نقل الدم اكثر من 600 مره 

مسلم عقيل

 

منذ الأشهر الأولى من حياتي بدأت رحلتي مع الثلاسيميا الكبرى، وهي رحلة علمتني منذ وقت مبكر أن الحياة قد تضع أمام الإنسان تحديات لم يخترها، لكنها لا تستطيع أن تحدد إلى أين يصل.

منذ طفولتي ارتبطت حياتي بنقل الدم بشكل منتظم، وبالعلاج اليومي للتخلص من الحديد الزائد في جسمي. ومع مرور السنوات أصبحت الإبر جزءًا من روتيني اليومي، وأصبحت آثارها على جسدي تذكيرًا دائمًا بكل مرحلة تجاوزتها. لم أعد أنظر إليها كعلامة على الضعف، بل كدليل على أنني واصلت.

في المدرسة تعلمت مبكرًا معنى الاختلاف. بعض الأطفال تقبلوني، بينما كان آخرون ينادونني بألقاب مؤذية ويتعاملون معي وكأن مرضي شيء يمكن أن ينتقل إليهم. كانت تلك التجربة مؤلمة، لكنها علمتني درسًا مهمًا: قيمة الإنسان لا يحددها رأي الآخرين فيه، ولا شكله، ولا مرضه.

وعندما بلغت الثانية عشرة، بدأت أعمل مع والدي في صالة ألعاب. كنت أذهب إلى المدرسة، ثم أعود إلى العمل، وأتابع علاجي ومسؤوليتي الصحية بنفسي. في ذلك العمر تعلمت الاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، وتنظيم وقتي، والاستمرار حتى عندما لا تكون الظروف مثالية.

في عام 2018 مررت بمرحلة صعبة بعد انقطاع علاجي لفترة طويلة، وما ترتب على ذلك من مضاعفات صحية. كان من الممكن أن تجعلني هذه المرحلة أستسلم، لكنها دفعتني إلى فهم قيمة الصحة والتعليم والعمل بصورة أعمق.

وفي عام 2019 خضعت لعملية استئصال الطحال بسبب المضاعفات. دخلت العملية وأنا أعرف أنني أواجه مرحلة صعبة، وخرجت منها وأنا أحمل نظرة مختلفة للحياة. أصبحت أكثر هدوءًا أمام الصعوبات، وأكثر إيمانًا بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد حتى بعد أصعب المراحل.

ثم جاءت جائحة كورونا عام 2021، وكانت واحدة من أصعب الفترات بالنسبة لي وللكثير من مرضى الثلاسيميا. أصبح الحصول على الدم أكثر صعوبة، ومرت عليّ أوقات لم أكن أجد فيها كيس دم مطابقًا لفصيلتي. في تلك اللحظات فهمت بصورة مباشرة قيمة الإنسان الذي يتبرع بدمه لشخص لا يعرفه. بفضل الله، ثم بفضل المتبرعين، استمريت.

هذه التجربة غيّرت علاقتي بفكرة العطاء. أصبحت أؤمن أن الإنسان يستطيع أن ينقذ حياة شخص آخر بعمل بسيط جدًا، وأن المجتمع يمكن أن يكون سببًا في استمرار حياة إنسان.

اليوم أتقاضى راتب إعاقة يبلغ 125 ألف دينار عراقي شهريًا، وأواجه أحيانًا أبوابًا مغلقة في سوق العمل بسبب حالتي الصحية. لكنني لم أعتبر ذلك سببًا للتوقف.

أعمل في تنظيف محل لتصليح السيارات وأتقاضى يومية قدرها 5 آلاف دينار. قد يبدو هذا العمل بسيطًا، لكنه بالنسبة لي يمثل شيئًا أكبر: يمثل استقلاليتي، وإيماني بأن قيمة العمل ليست في حجمه، وإنما في كرامته وفي ما يعلّمه للإنسان.

أنا لا أريد أن أكون مجرد شخص يتلقى المساعدة.

أريد أن أكون شخصًا يستفيد من الفرصة ثم يحولها إلى قيمة تعود على الآخرين.

لهذا بدأت أشارك في حملات التنظيف، وأنشر التوعية حول الأمراض الوراثية والمزمنة، وأتحدث عن الثلاسيميا من واقع تجربة شخصية. وأركز بصورة خاصة على أهمية الفحص قبل الزواج، لأن الوقاية والمعرفة يمكن أن تغير مستقبل عائلات كاملة.

كما أدعو باستمرار إلى التبرع بالدم، لأنني أعرف من تجربتي أن كيس الدم بالنسبة لبعض الناس ليس مجرد تبرع؛ قد يكون الفرق بين استمرار الحياة وتوقفها.

وأعمل على صناعة محتوى يتحدث عن الثلاسيميا، والتعايش مع المرض، والتنمر، وقوة الإنسان في مواجهة الظروف. هدفي أن أوصل صوت المرضى بصورة إنسانية، وأن أساعد المجتمع على فهم أن المرض لا يلغي طموح الإنسان ولا قدرته على التعلم والعمل والإبداع.

لدي أيضًا حلم أكبر: أن أساعد مستقبلًا في توفير العلاج ومضخات الحديد للمرضى الذين يعانون من نقص الإمكانات، لأنني أعرف شخصيًا معنى أن يحتاج الإنسان إلى علاج ولا يستطيع الوصول إليه بسهولة.

الفن جزء آخر من حياتي. لأنه يمنحني مساحة للتعبير عن الأشياء التي يصعب قولها بالكلمات. أستطيع تحويل مشاعري وتجربتي إلى شيء يمكن للآخرين رؤيته وفهمه وانا احب فن  Mixed Media Art من خلال أعمال فنية مستوحاة من تجربتي مع الثلاسيميا، وأسعى من خلالها إلى التعبير عن الألم والأمل وأهمية العطاء. من أعمالي «أثر»، التي تجسّد بصمات المتبرعين مجتمعةً لتشكّل قطرة دم ترمز إلى الحياة، و**«الدم هو الحياة»**، التي تعبّر عن تجربتي الشخصية مع نقل الدم، ومعنى التبرع ودوره في منحي فرصة للاستمرار. ومن خلال فني أوصل رسالتي عن الثلاسيميا والتبرع بالدم وأثر الإنسان في حياة الآخرين.

واليوم لدي أهداف واضحة.

أريد أن أكمل تعليمي، وأطور مهاراتي، وأبني مصدر دخل أكثر استقرارًا، وأوسع عملي في مجال التوعية وخدمة المجتمع. وأطمح على المدى البعيد إلى بناء مبادرة تساعد مرضى الثلاسيميا وغيرهم من الأشخاص الذين عطلت ظروفهم الصحية أو الاقتصادية طريقهم، وتمنحهم فرصة حقيقية للتعلم والعمل وبناء مستقبلهم.

أنا لا أطلب فرصة لأنني عاجز.

أطلب فرصة لأنني أثبت لنفسي أنني قادر على الاستفادة منها.

لقد بدأت حياتي بتحدٍ صحي لم أختره، لكنني اخترت كيف أتعامل معه. اخترت أن أتعلم، وأن أعمل، وأن أساعد الآخرين، وأن أستمر.

ربما لم أبدأ من المكان الذي بدأ منه الآخرون، لكنني ما زلت أستطيع الوصول إلى المكان الذي أريده.

أنا لا أريد أن تكون قصتي قصة مرض.

أريد أن تكون قصة إنسان واجه ظروفًا صعبة، وتعلم منها، واستثمر فيها، ثم استخدم تجربته ليصنع شيئًا أفضل لنفسه وللآخرين.

رسالتي بسيطة:

لا تجعل الظروف تختار نهايتك.

تعايش مع ما لا تستطيع تغييره، واعمل على ما تستطيع تغييره، وتمسك بالأمل، وتعلم، واعمل، وساعد غيرك.

الحياة ليست دائمًا سهلة، لكنها حلوة عندما نقرر أن نكمل طريقنا فيها.

وأتمنى أن يكون صوتي سببًا في أن يفحص شخص قبل الزواج، أو يتبرع شخص بالدم، أو يجد مريض علاجًا يحتاجه، أو يقرر شاب انقطع عن الدراسة أن يعود إليها من جديد.

لأنني تعلمت من تجربتي أن الفرصة الصغيرة قد تغير حياة إنسان بالكامل.

#اوقفو_الثلاسيميا

 

 

 


مشاهدات 77
الكاتب مسلم عقيل
أضيف 2026/11/03 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/11/04 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 157 الشهر 6718 الكلي 16657252
الوقت الآن
الأربعاء 2026/11/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير