الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إقالات المدربين بين سوء التخطيط وضغط الجماهير

← بواسطة azzaman

إقالات المدربين بين سوء التخطيط وضغط الجماهير

نصير الزيدي

 

لم يعد الاستقرار التدريبي صفةً ملازمةً لمدربي دوري النجوم العراقي، بل أصبح أشبه بالاستثناء في مشهدٍ تتكرر فيه الإقالات وتتسارع فيه قرارات التغيير، وكأن بعض إدارات الأندية باتت ترى في إقالة المدرب الحل الأسهل لمعالجة الإخفاقات، من دون التوقف طويلاً عند الأسباب الحقيقية وراء تراجع النتائج.

وبعد مرور تسع جولات فقط من عمر المسابقة، شهدنا تغيير عدد من المدربين، فيما يبدو أن مسلسل الإقالات لم يصل إلى نهايته بعد. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصبحت الإقالة خياراً فنياً مدروساً، أم أنها استجابة سريعة لضغط الجماهير ومطالبها؟

ولعل النظر إلى تجارب الأندية الأوروبية الكبرى يمنحنا مساحةً أوسع للتأمل. فلماذا تتمسك إدارة برشلونة بالمدرب الألماني هانز فليك رغم الإخفاق في تحقيق لقب دوري أبطال أوروبا؟ ولماذا استمر بيب غوارديولا في قيادة مانشستر سيتي رغم مروره بمراحل صعبة وتعثرات متعددة؟ وكيف حافظ أرسين فينغر على موقعه مدرباً لأرسنال لسنوات طويلة، رغم مواسم لم تتحقق فيها جميع الطموحات؟

الإجابة لا تكمن في تجاهل الإخفاق أو منح المدرب حصانةً من النقد، بل في وجود رؤية إدارية واضحة، وتخطيط مسبق، وقناعة بالمشروع الفني الذي اختير المدرب من أجله. فالأندية التي تسعى إلى بناء فرق تنافسية تدرك أن كرة القدم لا تُقاس بنتيجة مباراة واحدة، وأن النجاح يحتاج إلى وقت، كما يحتاج إلى تقييم موضوعي للأداء والإمكانات والظروف المحيطة بالفريق.

إن كرة القدم رياضة قائمة على الفوز والخسارة، والنجاح والإخفاق، ولا يمكن أن تكون النتائج وحدها المعيار المطلق للحكم على المدرب. فهناك عوامل أخرى تؤثر في مسيرة الفريق، منها جودة اللاعبين، وطبيعة التعاقدات، والاستقرار الإداري، والإعداد البدني، ومدى الانسجام بين عناصر الفريق. وعندما تتجاهل الإدارة هذه العوامل وتختصر المشكلة في شخص المدرب، فإنها قد تكرر الأخطاء نفسها، حتى لو تغيرت الأسماء وتبدلت الأجهزة الفنية.

ولا يمكن إغفال دور الجماهير في كرة القدم العراقية، فهي تمثل روح الأندية وقوتها الحقيقية، ومن حقها أن تطالب بالنتائج والأداء اللذين يليقان بتاريخ فرقها وطموحاتها. لكن الفارق كبير بين المطالبة المشروعة بالمحاسبة وبين تحويل الضغوط الجماهيرية إلى قرارات متسرعة قد تضر بمستقبل الفريق أكثر مما تنفعه. فالإدارة الناجحة هي التي تستمع إلى جمهورها، لكنها تتخذ قراراتها وفق معايير فنية وإدارية واضحة، لا وفق ردود الأفعال الآنية.

إن معضلة الإقالات لا تقتصر على أنديتنا، بل إن آثارها تمتد إلى واقع الكرة العراقية عموماً، بما في ذلك المنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها. فالاستقرار التدريبي، عندما يقترن بالتخطيط السليم والعمل المنهجي، يسهم في تطوير اللاعبين، وتعزيز الانسجام، وترسيخ هوية فنية واضحة يمكن البناء عليها مستقبلاً.

وفي المقابل، فإن التغيير المستمر من دون مراجعة حقيقية للأسباب قد يحوّل الموسم إلى سلسلة من التجارب غير المكتملة، ويفقد الفريق فرصة بناء مشروع فني متماسك. وليس معنى ذلك أن المدرب يجب أن يبقى مهما كانت النتائج، بل إن الإقالة ينبغي أن تكون قراراً مدروساً يستند إلى تقييم شامل، لا مجرد محاولة لامتصاص غضب الجماهير.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح إدارات أنديتنا في وضع حدٍّ لمسلسل الإقالات، والانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى ثقافة التخطيط والاستقرار؟ أم أننا سنواصل مشاهدة المشهد ذاته مع كل تعثر جديد؟

الإجابة لا يملكها المدرب وحده، ولا تحسمها الجماهير بمفردها، بل تقع مسؤوليتها الأولى على عاتق إدارات الأندية، التي عليها أن تدرك أن بناء الفرق لا يتحقق بتغيير المدربيـن بقدر ما يتحقق بحسن الاختيار، ووضوح الرؤية، والصبر على المشاريع الفنية المدروسة.

 


مشاهدات 32
الكاتب نصير الزيدي
أضيف 2026/10/21 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/10/22 - 2:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 42263 الكلي 16627432
الوقت الآن
الخميس 2026/10/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير