الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين شرعية السلطة المنتخبة وسيادة القانون.. هل تكفي صناديق الإقتراع لبناء الدولة ؟

← بواسطة azzaman

بين شرعية السلطة المنتخبة وسيادة القانون.. هل تكفي صناديق الإقتراع لبناء الدولة ؟

خالد محسن الروضان

 

لم تعد أزمة النظام السياسي في العراق مقتصرة على نتائج الانتخابات البرلمانية أو الصراعات التي تعقبها لتشكيل الحكومات، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبالعلاقة بين السلطة المنتخبة والشرعية الدستورية، وبين إرادة الشعب ومصالح القوى السياسية التي تتقاسم النفوذ والمواقع والمناصب.

فمنذ التغيير السياسي الذي شهده العراق عام 2003، أنتجت الممارسات السياسية جدلًا واسعًا حول نظام المحاصصة الطائفية والقومية، وتوزيع المسؤوليات بين الأحزاب والكتل، وطبيعة التفاهمات التي تعقب كل انتخابات. وقد أسهمت هذه الممارسات، في تقديري، في إضعاف مفهوم المواطنة، وجعلت الحزب والكتلة والمكوّن يتقدمون، في كثير من الأحيان، على مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي الفوز في الانتخابات لاكتساب الشرعية الكاملة في إدارة الدولة؟

إن القوى السياسية الفائزة تستند إلى صناديق الاقتراع لتأكيد شرعيتها، وهذا صحيح من حيث المبدأ الديمقراطي؛ فالانتخابات تمنح الفائزين تفويضًا سياسيًا لممارسة السلطة وفق الآليات الدستورية. غير أن هذا التفويض لا يعني منح الحاكم أو الكتلة السياسية حق تجاوز الدستور أو مصادرة صلاحيات المؤسسات.

فالشرعية الانتخابية، مهما بلغت قوتها، تظل ناقصة ما لم تقترن بشرعية قانونية ودستورية تحكم ممارسة السلطة، وتضمن استقلال القضاء، وتصون الحقوق والحريات، وتحمي مبدأ المساواة بين المواطنين، وتُخضع الحاكم والمحكوم للقانون ذاته.

إن الديمقراطية ليست مجرد عملية حسابية تُحدَّد فيها الأغلبية والأقلية بعدد الأصوات والمقاعد، وإنما هي منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات والضمانات الدستورية التي تمنع تحوّل الأغلبية إلى أداة للاستحواذ على الدولة، أو استخدام السلطة لإقصاء الآخرين.

لقد دفع العراق أثمانًا باهظة عندما تقدمت القوة السياسية على القانون، وعندما تحولت التفاهمات الحزبية إلى مرجعية تتقدم عمليًا على المؤسسات الدستورية. فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية، لكنها لا تمنح حصانة من المساءلة، والدستور يمنح السلطات صلاحياتها، لكنه يضع في الوقت نفسه الحدود التي لا يجوز تجاوزها.

ومن هنا، فإن بناء الدولة العراقية ينبغي أن ينطلق من قاعدة واضحة: لا شرعية سياسية مكتملة من دون شرعية قانونية، ولا شرعية قانونية حقيقية من دون دولة قادرة على تطبيق القانون على الجميع.

إنتاج الأزمة

إن ما يثير القلق في التجربة العراقية هو استمرار النهج السياسي الذي يحوّل نتائج الانتخابات إلى مدخل لمفاوضات طويلة حول توزيع المناصب والوزارات، بدلًا من أن تكون أساسًا لتشكيل حكومة مسؤولة أمام البرلمان والشعب.

فبعد كل انتخابات، تبدأ مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية، وتظهر مطالب الكتل والأحزاب بالحصول على حصصها من السلطة التنفيذية، وكأن الدولة مجموعة من الممتلكات التي يجري توزيعها بين الشركاء، لا مؤسسات عامة يفترض أن تعمل لخدمة المواطنين.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح الكفاءة والنزاهة والخبرة معايير ثانوية أمام الانتماء الحزبي والتوازنات السياسية، وتتراجع المسؤولية الفردية للوزير أمام الجهة التي رشحته، حتى تكاد بعض الوزارات تتحول إلى مناطق نفوذ حزبي.

إن استمرار هذا الأسلوب لا يؤدي إلى إضعاف الأداء الحكومي فحسب، بل يهدد أيضًا مبدأ وحدة السلطة التنفيذية، ويجعل المسؤولية موزعة بين أطراف متعددة يصعب تحديد الجهة التي تتحمل نتائج الإخفاق.

رئيس الوزراء بين صلاحيات الدستور ووصاية الكتل

لقد حدد دستور جمهورية العراق لعام 2005 موقع رئيس مجلس الوزراء بوصفه المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، وفقًا للمادة (78).

نيل ثقة

كما نظم الدستور آليات تكليف رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة ونيل الثقة البرلمانية، بما يجعل السلطة التنفيذية خاضعة لإطار دستوري واضح، لا لإرادة القوى السياسية خارج المؤسسات الرسمية.

غير أن الممارسة السياسية تثير تساؤلات جدية حول مدى استقلال رئيس الوزراء في اختيار فريقه الحكومي وإدارة مسؤولياته، عندما تتحول الكتل الداعمة له إلى جهات تمارس الوصاية السياسية على قراراته وتعييناته.

فالدعم البرلماني للحكومة حق مشروع، وكذلك التفاوض لتشكيل ائتلاف حاكم، لكن هذا الدعم لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة موازية تنتزع الصلاحيات التي منحها الدستور لرئيس مجلس الوزراء.

وإذا أصبح رئيس الوزراء ملزمًا بالحصول على موافقة القوى السياسية في كل قرار تنفيذي، فإننا نكون أمام مفارقة خطيرة: رئيس حكومة يتحمل المسؤولية الدستورية أمام البرلمان، بينما تتوزع سلطة القرار الفعلية بين جهات لا تتحمل المسؤولية القانونية المباشرة عن نتائج قراراتها.

وهذا يطرح سؤالًا لا يجوز تجاهله: كيف يمكن محاسبة رئيس الوزراء على نجاح حكومته أو إخفاقها إذا لم يكن يمتلك الصلاحيات الفعلية لإدارتها؟

جلسة 15 تشرين الأول… بين استكمال الحكومة وتوسيع المناصب

لقد أعادت جلسة مجلس النواب العراقي المنعقدة في 15 تشرين الأول 2026 هذه الإشكالية إلى الواجهة، بعدما صوّت البرلمان على استكمال عدد من الحقائب الوزارية، واستحداث وزارة للاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا، والموافقة على تعيين ثلاثة نواب لرئيس مجلس الوزراء.

ومع أن استكمال التشكيلة الحكومية يمثل استحقاقًا ضروريًا، فإن توسيع المواقع العليا يطرح أسئلة مشروعة حول الحاجة الإدارية الفعلية إليها، وحدود صلاحيات شاغليها، ومدى انسجامها مع متطلبات الإصلاح وترشيد الإدارة العامة.

وقد أوضح رئيس الوزراء علي الزيدي، بحسب البيان الرسمي لمجلس النواب، أن نوابه لن يتقاضوا رواتب أو مخصصات، ولن تُنشأ تعيينات لمكاتبهم، وأن عملهم سيكون ميدانيًا بحسب الاختصاصات. وهي توضيحات مهمة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تحديد الصلاحيات والمسؤوليات بصورة واضحة.

وإذا كانت الغاية من هذه المناصب تحسين الأداء الحكومي، فإن معيار نجاحها يجب أن يكون ما تحققه من نتائج للمواطن، لا ما توفره من توازنات للقوى السياسية.

كما أن غياب نص دستوري صريح ينظم منصب نائب رئيس مجلس الوزراء لا يكفي وحده للحكم بعدم دستوريته؛ إذ يتطلب ذلك النظر في القوانين المنظمة للسلطة التنفيذية وطبيعة الصلاحيات الممنوحة لهذه المناصب.

هل يصبح الإطار التنسيقي سلطة فوق الحكومة؟

إن الإشكالية الأشد خطورة تتمثل في حدود الدور الذي تمارسه التحالفات السياسية بعد تشكيل الحكومة ونيلها الثقة.

فالإطار التنسيقي، شأنه شأن أي تحالف سياسي، يستطيع دعم الحكومة ومناقشة سياساتها والتنسيق بين مكوناته، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة تنفيذية موازية تتجاوز صلاحيات مجلس الوزراء أو تحل محل البرلمان في الرقابة والتشريع.

وفي هذا السياق، تثير الطروحات المتعلقة بإنشاء مجلس سياسي لإدارة الدولة تساؤلات دستورية جدية، ولا سيما إذا أُريد لهذا المجلس ممارسة صلاحيات تنفيذية أو تشريعية خارج المؤسسات التي حددها الدستور.

إن العراق لا يحتاج إلى إعادة إنتاج تجربة مجلس قيادة الثورة، ولا إلى إنشاء مرجعية سياسية فوق السلطات الدستورية، مهما اختلفت الأسماء والشعارات.

فالدولة الحديثة لا تُدار بالمجالس الحزبية التي تتقدم على المؤسسات، وإنما تُدار وفق مبدأ الفصل بين السلطات، وتحديد المسؤوليات، والخضوع للمساءلة.

وإذا كان رئيس الوزراء هو المسؤول التنفيذي الأول، فلا يجوز سياسيًا تحويله إلى مجرد منفذ لتوجيهات الأحزاب، ثم مطالبته وحده بتحمل مسؤولية الإخفاق.

المواطن يدفع ثمن الصراعات السياسية

تأتي هذه الإشكاليات في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية واجتماعية تتطلب من الحكومة والبرلمان توجيه جهودهما نحو معالجة مشكلات المواطنين، بدل الاستغراق في الصراع على المواقع والمناصب.

فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، ويبحث عن فرص العمل والخدمات الصحية والتعليمية، لا تعنيه كثرة المناصب الحكومية بقدر ما تعنيه قدرة الدولة على تحسين حياته وحماية حقوقه.

وما ذنب العراقيين أن يتحملوا نتائج التفاهمات السياسية التي لا تنعكس على مستوى معيشتهم؟ وما جدوى الانتخابات إذا ظلت الحكومات أسيرة التوازنات الحزبية، بدل أن تكون مسؤولة أمام الشعب عن تنفيذ برامجها؟

إن الأزمة الحقيقية ليست في عدد الوزارات أو نواب رئيس الوزراء وحده، بل في الفلسفة التي تحكم إدارة الدولة: هل تُنشأ المناصب استجابة لحاجة وطنية وإدارية، أم استجابة لمطالب القوى السياسية؟

أين حماة الدستور؟

أمام هذه التساؤلات، لا بد من استحضار مسؤولية المؤسسات الدستورية، كلٌّ في حدود اختصاصه.

أين دور رئيس الجمهورية في السهر على احترام الدستور؟ وأين دور مجلس النواب في ممارسة الرقابة الفعلية على الحكومة؟ وأين دور المحكمة الاتحادية العليا في الفصل في المنازعات الدستورية التي تُعرض عليها وفق القانون؟

وأين مسؤولية رئيس مجلس الوزراء في حماية صلاحياته الدستورية، وإدارة حكومته على أساس البرنامج الذي نال ثقة البرلمان؟

ثم أين دور الصحافة الحرة ومنظمات المجتمع المدني والنخب الثقافية والأكاديمية في الدفاع عن سيادة القانون، ومراقبة الأداء الحكومي، وكشف أوجه الخلل في إدارة الدولة؟

إن حماية الدستور ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من احترام السلطات لاختصاصاتها، وتنتهي بحق المواطن في المحاسبة والمساءلة والتعبير.

من شرعية السلطة إلى شرعية الدولة

لقد آن الأوان للخروج من الحلقة المفرغة التي عاشها العراق منذ عام 2003، حين تحولت الانتخابات في كثير من الأحيان إلى بداية جديدة للصراعات على تشكيل الحكومات، بدل أن تكون مدخلًا لتداول السلطة وترسيخ الاستقرار السياسي.

إن المطلوب ليس إلغاء التعددية السياسية أو منع التحالفات، بل إخضاعها للقواعد الدستورية، ومنع تحولها إلى مراكز نفوذ تتقدم على مؤسسات الدولة.

فالديمقراطية الحقيقية لا تعني أن تحكم الأغلبية كما تشاء، وإنما أن تحكم وفق الدستور، وتحترم حقوق الأقلية، وتخضع للقانون، وتقبل المساءلة وتداول السلطة.

ولا يمكن بناء العراق بمجرد تغيير الحكومات أو زيادة عدد الوزارات أو إعادة توزيع المناصب، ما لم تتغير الثقافة السياسية التي تتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة تتقاسمها الأحزاب.

إن صناديق الاقتراع تستطيع أن تمنح السلطة شرعيتها الانتخابية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني دولة القانون.

فالدولة تُبنى عندما يصبح الدستور فوق الجميع، والقانون معيارًا واحدًا للحاكم والمحكوم، والمواطنة أساسًا للحقوق والواجبات، وتكون المؤسسات أقوى من الأشخاص والأحزاب والتحالفات.

وعندها فقط نستطيع القول إن العراق انتقل من مرحلة شرعية السلطة إلى مرحلة شرعية الدولة.

أما إذا بقيت إرادة الشعب رهينة التفاهمات الحزبية، وبقيت المؤسسات خاضعة للوصاية السياسية، فإننا سنعود في كل دورة انتخابية إلى المربع الأول، وكأننا لم نغادره يومًا.

وعندها لن نجد أبلغ من المثل الشعبي العراقي: «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت».

فالعراق لا تنقصه صناديق الاقتراع، وإنما يحتاج إلى دولة تحترم ما تفرزه تلك الصناديق، وتضع القانون فوق السلطة، والوطن فوق الحزب، ومصلحة الشعب فوق جميع المصالح.


مشاهدات 59
الكاتب خالد محسن الروضان
أضيف 2026/10/20 - 3:40 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 2:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 215 الشهر 40039 الكلي 16625208
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير