الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين التَّكَعْكُعِ وَالاِفْرِنْقَاعِ

← بواسطة azzaman

بين التَّكَعْكُعِ وَالاِفْرِنْقَاعِ

علي أحمد الزبيدي

 

​في تسعينيات القرن الماضي، وقف رئيس جمهورية زئير (الكونغو الديمقراطية حالياً)، الزعيم موبوتو سيسي سيكو، في قصره الفاره في بلدة "غبادوليت" الجبلية، مستعرضاً طائرته الـ "كونكورد" الفاخرة وممتلكاته التي كانت تُقدر بمليارات الدولارات.

كان موبوتو يمسك بقبضة من حديد على مقاليد السلطة والاقتصاد، وحوله يتزاحم الوزراء، والمستشارون، وكبار رجال الأعمال، والشركات الأجنبية التي كانت تتنافس على التقرب منه لنيل الامتيازات والتراخيص النفطية والتعدينية.

كان المنظر يوحي بثبات لا يتزحزح، ووفرة لا تنضب.

​لكن ذلك الكيان الضخم لم يكن يُبنى على مؤسسات راسخة، بل على "التكعكع"؛ أي التضخم الزائف والاستئثار المؤقت بالجاه والنفوذ المستند إلى الولاءات والمكاسب السريعة.

ومع أول هزة سياسية وعسكرية عام 1997، وتراجع أسعار المعادن، انهارت تلك المنظومة المالية كالبيت الزجاجي.

وفي غضون أيام قليلة، اختفى جميع أولئك المستشارين والمحيطين، وتبخرت الوعود الاستثمارية، وأغلقت البنوك أبوابها، وشهد التاريخ حالة "الافرنقاع" التام؛ إذ تشتت ذلك الجمع وتلاشى في لحظة فارقة، وجد "موبوتو" نفسه بعدها هرباً في طائرة خاصة، يفتش عبثاً عن دولة تقبل استقباله لعلاجه من المرض، بعد أن تخلى عنه الجميع.

​هذا السيناريو يتكرر مراراً في دفاتر التاريخ وسجلات الحكم، قديماً وحديثاً، في الدول الأجنبية والعربية على حد سواء، ولكن: لمن تُحكى هذه القصص؟ ومن يتعظ ويجعل الله وعذابه وحكمته نصب عينيه؟

​إن ما يحصل في بلدي العراق لا يمكن أن يتكرر في أي بلد آخر؛ فقد جُمعت فيه كل صنوف المآسي: موت، وعذاب، وويلات، وحروب، وإرهاب، وصراع، وقتل، وطائفية، وفساد، وخداع، وكل أمر مريب وغريب.

والأدهى من ذلك كله، هو نوعية من تسلطوا على رقاب العباد بعد عام 2003؛ شخوص وأفراد لا يمتون بصلة لا للدين، ولا للمذهب الذي يدعونه، ولا للإنسانية، ولا لأي قيمة معتقدة، سوى اللهث خلف المنافع والجاه والسلطة، وخداع المجتمع بأوهام زيف الشعارات، وما طرأ في الآونة الأخيرة تحت لافتة "المقاومة" التي تحولت لدى البعض إلى مجرد "مقاولات" سياسية وتجارية بحتة!

​فما إن تتغير حكومة فنقول "لقد خلصنا وتأملنا خيراً بالقادم"، حتى نفاجأ بأن الواقع يفرز وجوهاً ربما أثقل كاهلاً للمواطن، لنجد أنفسنا نترحم مرغمين على من سبق.

والجميع يعلم يقيناً أن من يدير دفة الحكم حقاً هم الأحزاب وكتلهم السياسية؛ فالمسؤول مهما كبر حجمه، قد لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون مجرد واجهة أو (دمية) تُحركها خيوط من صنعوها وأوصلوه إلى كرسي المسؤولية.

​قبل أيام، كنت في حديث مع صديق حول واقع بعض الدوائر والمؤسسات، وكيف تُدار بمنهجية الولاءات لا الكفاءات؛ فتحدثنا عما يشوب تلك البيئات الوظيفية من حالات تملق، وتلون، وسعي حثيث نحو المناصب بغض النظر عن المبادئ.

فترى أحدهم يلهث وراء الواجهات السياسية طامعاً بكرسيّ يمنحه وزناً وهمياً، متناسياً مكانته العلمية والثقافية وشهادته، مفكراً فقط بالبقاء في كنف تلك الجهة طمعاً بالمصلحة الشخصية الضيقة، وهو يعلم تماماً أن تلك البيئة تتناقض كلياً مع قيمه وأفكاره وتاريخه الناصع.

​وما إن نشهد اليوم تغييراً طفيفاً أو تبديلًا في واجهات بعض المناصب، حتى ترى أولئك المتلونين أول من يبدل جلودهم ولهجتهم تقرباً للقادم الجديد، في مشهد يكرس أزمة الانتهازية الإدارية التي لا تقتصر على وزارة بعينها، بل تنخر في جسد الإدارة العامة للدولة.

​حقيقةً، إن ما نراه وما يجري من أمور يقشعر لها البدن، بينما الشعب المغلوب على أمره يلوذ بصمته، جارحاً ألمه جراء ما يحيط به من أزمات متتالية، كان آخرها الارتفاع الجنوني للأسعار الذي ينذر بقادم الأيام بانهيار اقتصادي لا يُحمد عقباه.

​وفي الختام.. يا أيها المتملقون في الميدان وفي مواقع التواصل الاجتماعي، أوصيكم: كلما رأيتم "المسؤول" في أي موقع، تهللوا واهتفوا له قائلين: (علي وياك علي.. وبالروح بالدم نفديك يا ريس).. والسلام.!


مشاهدات 23
الكاتب علي أحمد الزبيدي
أضيف 2026/10/20 - 1:05 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 3:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 283 الشهر 40107 الكلي 16625276
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير