الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الثقافة ليست ترفاً

← بواسطة azzaman

الثقافة ليست ترفاً

إبراهيم المحجوب

 

الثقافة ليست ترفا نمارسه عندما يتوفر لنا الوقت، وليست مجموعة من الكتب والمعلومات التي نحفظها ثم نضعها على رفوف مكتباتنا، بل هي حاجة أساسية في حياة الإنسان، لأنها التي تمنحه القدرة على فهم نفسه ومجتمعه والعالم من حوله، وتساعده على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين ما ينفعه وما يضره. فكلما ارتقى الإنسان في ثقافته اتسعت رؤيته للحياة، وأصبح أكثر قدرة على التعامل مع اختلاف الناس والأفكار، وأكثر وعيا بأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن الحوار يمكن أن يكون جسرا يصل بين القلوب والعقول. إن المجتمع الذي يهتم بالثقافة هو مجتمع يهيئ أبناءه لمستقبل أكثر وعيا، لأن الثقافة لا تبني الفرد وحده، وإنما تسهم في بناء الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسة والدولة، وتزرع في الإنسان احترام العلم والمعرفة والعمل والمسؤولية. وقد يكون الإنسان صاحب شهادة عالية لكنه يفتقر إلى الثقافة في سلوكه وتعامله، كما قد نجد إنسانا بسيطا لم تتح له فرص التعليم لكنه يحمل من الوعي والحكمة ما يجعله أكثر فهما للحياة من كثير من أصحاب الشهادات. فالثقافة الحقيقية ليست بعدد الكتب التي قرأناها، وإنما بما تركته تلك المعرفة في أخلاقنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الآخرين. ومن المؤسف أن ينظر البعض إلى المثقف وكأنه يعيش بعيدا عن الواقع، بينما الحقيقة أن الثقافة كلما كانت صادقة اقتربت من هموم الناس، ودافعت عن الحق، وحافظت على الذاكرة، واحترمت التاريخ، وسعت إلى إصلاح الحاضر دون أن تنكر الماضي. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الثقافة في زمن تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، لأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الوعي، بل إن الإنسان يحتاج إلى عقل قادر على التحقق والفهم والتمييز. لذلك فإن القراءة، والاستماع إلى أهل المعرفة، ومتابعة التاريخ، واحترام التجارب الإنسانية، وتشجيع الأبناء على السؤال والبحث، كلها ليست أمورا ثانوية، بل استثمار حقيقي في الإنسان. إن الثقافة تمنح الإنسان لغة للحوار عندما يختلف، وحكمة عندما يغضب، ووعيا عندما يواجه التضليل، وقدرة على أن يرى الحياة بأكثر من زاوية. ولهذا فإن الثقافة ليست ترفا كما يعتقد البعض، وإنما ضرورة من ضرورات الحياة، لأن الإنسان بلا معرفة قد يعيش عمره كله وهو يكرر أفكارا لم يخترها، أما الإنسان الواعي فإنه لا يكتفي بأن يعيش الحياة، بل يحاول أن يفهمها ويترك فيها أثرا طيبا. فالثقافة حياة أخرى داخل الإنسان، وكل مجتمع يحافظ على ثقافته ومعرفته إنما يحافظ على مستقبله.

 

 

 


مشاهدات 42
الكاتب إبراهيم المحجوب
أضيف 2026/10/03 - 1:45 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 2:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 208 الشهر 3444 الكلي 16588613
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير