من يحتكر الثقافة العراقية؟
أربع طبقات تتصارع على المستقبل
ياسين غالب
تتشكّل خريطة الثقافة العراقية المعاصرة من طبقات متعددة، لا يحدّد اختلافها أسلوبها الفني أو أجيالها فحسب، بل تحدّده أيضًا علاقتها بالمجتمع والجمهور والمؤسسات الثقافية الحكومية والحزبية . فبعض هذه الطبقات يستند إلى رصيد ماضٍ ويعيد إنتاجه، وبعضها ينمو من صلة مباشرة بالناس، فيما يعيش بعضها الآخر خارج السياق المحلي، بينما تحاول طبقة شابة أن تؤسس حضورًا جديدًا رغم القيود. ومن هذا المنظور، يمكن تصنيف الطبقة المنتجة للثقافة العراقية إلى أربعة أنماط رئيسة:
1. الطبقة المتحفية
شعراء وفنانون ومغنون توقّف بهم الزمن الخصب بالمنجز عند نهايات الثمانينيات، ويعيشون على إعادة تدوير موادهم الثقافية، كما يحصل لقناني البلاستيك مثلًا: المادة واحدة، والأشكال مختلفة. وتستمد هذه الطبقة شرعيتها من حضورها التاريخي ومن اعتراف المؤسسات الثقافية بها، لكنها تبدو أقل اتصالًا بالتحولات الاجتماعية المولدة لجمهور يتشكل مع الزمن وينمو بينما هي وتموت خلاياها ببطء في تقديري، ستنقرض هذه الطبقة ولن يبقى منها سوى لمحة عاطفية نوستالجية .
تعتمد هذه الطبقة على الشِلَلية والتخادم داخل دوائر مغلقة، تتمظهر أحيانًا في اتحادات ومؤسسات حكومية أو شبه حكومية.
2. الطبقة المنتجة للثقافة الشعبية الشعبوية
وهي أكثر ارتباطًا بالأرض والجمهور، وأقرب إلى نبض الإنسان العراقي. وتستمد قوتها من التداول الشعبي والانتشار المباشر، لا من الاعتراف الأكاديمي أو دعم المؤسسات الثقافية. لذلك لا تحظى غالبًا بالدراسة بوصفها حالة ثقافية مكتملة، رغم أنها تلبي حاجة المستهلك الثقافي البسيط، وتتناغم مع وعيه. ومن أمثلتها الشعر وبقية الفنون الشعبية.
وتكشف العلاقة بين الطبقتين الأولى والثانية عن فجوة بين المؤسسة الثقافية والجمهور؛ فالطبقة الأولى تتعالى على الثانية، وتحسدها أحيانًا بسبب اتساع قاعدة جمهورها، في حين تظل الثانية أكثر التصاقًا بالمجتمع وأقل حظوة داخل المؤسسات الرسمية والأكاديمية ويتم وصمها عادة بالتخلف و التسطيح مع أنه لديها قيمها الخاصة و جودتها التي تتناغم مع بيئتها الحية.
بيئة خارجية
3. الطبقة المهاجرة المنفصلة عن الواقع
طبقة لا هي غربية تمامًا ولا هي عراقية تمامًا؛ تصدّر إلى الداخل (أنا) عالية ومتعالية، بوصفها تعويضًا عن التهميش والعنصرية والحذف الذي تعاني منه في بيئتها الخارجية. وهي، بحكم ابتعادها عن الواقع المحلي، لا تستند إلى علاقة حية ومستقرة بالجمهور العراقي، كما تبقى علاقتها بالمؤسسات الثقافية الحكومية ملتبسة وسرية بالعادة .لهذه الطبقة تخادمها مع الطبقة الأولى، المتحفية، ولها شبكة من العلاقات المغلقة كما في ( الإخوانيات) في العصور القديمة تحتكر من خلالها صوت المثقف العراقي في الخارج. من خلال هذه الشبكات التي قد تكون حزبيةً يسارية أو جهوية. هذه الطبقة الطاووسية ترتدي القبعات الغربية فوق رؤوس ما زالت طائفيةً قبلية مأزومة لا تصلح للمراهنة عليها في بناء ثقافي رصين.
4. طبقة واعدة من الشباب
تنمو ببطء وحذر، وتحاول التملّص من الأبوّيات الأدبية والاجتماعية والدينية والأيديولوجية، لكنها تتعثّر بسبب قلّة الحريات المدنية وكثرة المحظورات. وهي أكثر الطبقات استعدادًا لبناء علاقة جديدة مع المجتمع والجمهور، غير أن ضعف المؤسسات الثقافية المستقلة وغياب الحماية القانونية والمهنية يحدّان من قدرتها على التطور والاستمرار.
هذه الطبقة سيكون لها المستقبل، إذا نجت من الاغتيال الجسدي والمعنوي في العراق.في ضوء هذه التصنيفات، لا تتحدد قيمة الطبقات الثقافية بمدى حضورها داخل المؤسسات وحده، ولا باتساع جمهورها فقط، بل بقدرتها على إنتاج معنى جديد، والتفاعل مع المجتمع، والاستجابة لتحولاته المتسارعة وفتح المجال أمام حرية التعبير. وبينما تعيش الطبقة المتحفية على رصيد الماضي، وتستمد الثقافة الشعبية قوتها من الجمهور، وتعيد الطبقة المهاجرة إنتاج اغترابها، تبدو الطبقة الشابة الرهان الأهم على مستقبل الثقافة العراقية. غير أن هذا المستقبل سيظل مشروطًا بوجود حريات مدنية حقيقية، ومؤسسات ثقافية مستقلة، وبيئة قادرة على حماية المبدعين من الإقصاء و الاغتيال، الجسدي والمعنوي.