الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين نخسر المباراة ونربح الدرس

← بواسطة azzaman

حين نخسر المباراة ونربح الدرس

محمد خضير الانباري

 

شاهدتْ معَ الملايينِ منْ أبناءِ شعبنا العراقي، مباراةْ منتخبنا الوطنيِ لكرةِ القدمِ أمامَ المنتخبِ السعودي، حيثُ كنا نحملُ في داخلنا أملاً كبيرا في التعادلِ أوْ الفوزِ بعدَ العرضِ الجميلِ الذي قدمهُ منتخبنا أمامَ الكويت، قبلَ بضعةِ أيام، عندما سجلَ ثلاثةَ أهدافٍ جميلة، أعادتْ إلى الذاكرةِ صورةْ المنتخبِ السبعينية، الذي نعرفهُ ونحبه، يومها صفقنا للاعبين، وأعجبنا بالأداء، بلْ إنَ بعضَ التعليقاتِ الرياضية، كانتْ في جمالها وحماسها أشبهُ بالأهدافِ نفسها.

إنَ كرةَ القدمِ لا تعترفُ بالماضي، ولا تمنحُ الفوز لمنْ يملكُ الذكرياتِ الجميلة، إنما لمنْ يدخلُ الملعبُ بخطةٍ واضحة، وروحٍ قتالية، وقراءة صحيحة للمباراة. في مباراتنا أمامَ السعودية، بدا منتخبنا مختلفا، فقدْ ظهر، وكأنهُ دخلَ المباراة، وهوَ يفكرُ كثيرا في قوةِ الخصم، وكأننا نواجهُ إسبانيا أوْ البرازيلَ أوْ الأرجنتين، بديلاً عنْ أنْ يفكرَ في كيفيةِ فرضِ أسلوبهِ عليه، فالفريقُ السعودي، ليسَ منتخبا مجهولاً بالنسبةِ لنا؛ إنها مدرسةٌ كرويةٌ خليجيةٌ نعرفها وتعرفوننا، ولعبنا أمامها عشراتِ السنين، ونعرفُ لاعبيها وأسلوبها، كما يعرفونَ منتخبنا، لذلك، لمْ يكنْ منطقيا أنْ نتعاملَ معَ المباراةِ بأسلوبٍ حذر، أوْ الخوف يملأُ قلوبَ اللاعبين.

إنَ احترامَ الخصمِ واجب، والخوف منهُ شيئا آخر، فكرةُ القدمِ الحديثةِ تحتاجُ إلى التوازن، هجوم حينَ تكونُ الكرةُ معنا، ودفاع حينَ نفقدها، وبدائل واضحة في الحالتين، أما أنْ ينحصرَ الفريقُ في مناطقه، ويتركَ المبادرةَ للخصم، ثمَ يتحولُ الملعبُ إلى مساحةٍ يتحركُ فيها المنتخبُ السعودي، كما يشاء، فذلكَ يجعلُ المهمة أكثر صعوبة، مهما كانتْ إمكانات اللاعبين.

هنا يبرزُ سؤال مشروع؛ هلْ كانتْ هذهِ اختياراتِ الجهازِ الفني؟

أمْ أنَ هناكَ تدخلاً إداريا في التفاصيلِ الفنية؟

نحنُ لا نملكُ الإجابة، ولا نريدُ أنْ نوجهَ اتهاما لأحد، لكنْ من حقُ الجمهور، أنْ يعرفَ كيفَ تتخذُ القرارات التي تحددُ مصيرا منتخبا يمثلُ بلدا بأكمله، لقدْ كنا قريبينَ منْ التأهل، وكانَ خلفَ المنتخبِ جمهور منْ شمالِ العراقِ إلى أقصى جنوبه.

إن الجمهور العراقي، لا يريدُ المستحيل؛ يريدُ منتخبا يلعبُ بشجاعة، ويقاتلُ حتى الدقيقةِ الأخيرة، ويعرفُ ماذا يريدُ منْ المباراة، ولا نريدُ الدخولَ في حساباتِ مباراةِ عمانَ والكويت، ولا في الحديثِ عنْ شرعيةِ ما حدث، أوْ عدم شرعيته، فذلكَ شأن أصحابِ العلاقةِ والجهاتِ المختصة، فما كانَ يعنينا هوَ تأهلُ منتخبنا الوطني، وما الذي يجبُ أنْ نفعلهُ بعدَ هذهِ التجربة، لسنا بحاجةٍ إلى ردِ فعلٍ … بلْ إلى مشروع، إنَ خسارةَ مباراةٍ يجبُ ألا تتحولَ إلي، مناسبةٍ لتوزيعِ الاتهامات، بلْ إلى فرصةٍ لمراجعةٍ شاملة.

إن أول ما ينبغي التفكير فيه هو إعادة النظر في استضافة بطولة كأس الخليج المقبلة، إذا كانت الظروف المالية والفنية والتنظيمية ، لا تسمح للعراق بأن يقدم بطولة تليق باسمه، وإذا كانت سلطنة عمان، قد أبدت رغبتها في الاستضافة، فيمكن دراسة الأمر بهدوء عبر المؤسسات والاتحادات المعنية، بعيداً عن العاطفة، فالمال الذي يمكن أن ينفق على استضافة بطولة كبيرة، قد يكون أكثر فائدة إذا وُجه إلى بناء كرة القدم العراقية من جذورها.

نحن بحاجة إلى منتخب وطني جديد، ومنتخب أولمبي، ومنتخبات للشباب والناشئين، تعتمد على اكتشاف المواهب من داخل العراق وخارجه، ونحتاج إلى مسابقات محلية قوية ومنتظمة لمختلف الأعمار، حتى لا يصل اللاعب إلى المنتخب، وهو يفتقر إلى المنافسة الحقيقية، نحتاج إلى منظومة تبحث عن اللاعب الموهوب في البصرة والناصرية وبغداد والموصل والأنبار وكركوك وأربيل والسليمانية والنجف وكربلاء وكل مدينة وقرية عراقية، ثم تمنحه فرصة حقيقية للتطور.

إن اللاعب شيء… وإدارة كرة القدم شيء آخر، ومن أهم الإصلاحات التي نحتاجها الفصل الواضح بين خبرة الملعب وخبرة الإدارة، احترامنا الكامل لكل لاعب سابق وكل شخصية رياضية، لكن ممارسة كرة القدم لا تعني بالضرورة امتلاك الخبرة في إدارة مؤسسة رياضية حديثة.

يمكن لللاعب المتميز، أن يكون مدرباً ناجحاً، إذا امتلك التأهيل، لكنه ليس بالضرورة ، أن يكون إدارياً ناجحاً لمجرد أنه كان لاعباً، كما لا يكفي أن يكون الإنسان قريباً من المهنة، لكي يتولى إدارة وزارة متخصصة، فإن إدارة اتحاد رياضي كبير تحتاج إلى علوم الإدارة الرياضية، والتخطيط، والاقتصاد الرياضي، والقانون، والتسويق، وإدارة الموارد، والعلاقات الدولية، إلى جانب الخبرة الكروية، لذلك نحتاج إلى اتحاد كرة قدم يضم أصحاب الاختصاص والكفاءة والخبرة، مع الاستفادة من نجوم الكرة السابقين في المواقع التي تتناسب مع خبراتهم وتأهيلهم.

لقدْ خسرنا أمامَ السعودية، لكنَ الخسارةَ الحقيقيةَ ستكون، إذا مررنا على المباراة، وكأنَ شيئا لمْ يحدث، أما إذا جعلنا منها درسا، وبدأنا بإعادةِ بناءِ المسابقات، واكتشافِ المواهب، وتطويرِ المدربين، وتأهيلِ الإداريين، وتنظيمِ العملِ داخلَ الاتحاد، ووضع خطةٍ تمتدُ لسنواتِ لا لأيام، فإنَ هذهِ الخسارةَ يمكنُ أنْ تكونَ بداية لتصحيحِ المسار، فالعراقُ لا تنقصهُ المواهب، ولا الجمهور، ولا التاريخ الكروي، ولا الرغبة في النجاح. ما ينقصنا هوَ مشروعٌ واضح، وإدارةٌ متخصصةٌ منْ الأكاديميينَ منْ أساتذةِ الجامعاتِ الرياضية، واستمراريةٍ في العمل، واختيارِ الرجلِ المناسبِ في المكانِ المناسب، نحنُ لا نريدُ منتخبا يفوزُ بمباراة، ثمَ يتراجعُ في المباراةِ التالية، بلْ نريدُ منتخبا يعرفُ كيفَ يفوز، كيفَ يتعادل، يدافع، يهاجم، يتعاملُ معَ الضغط، الأهمَ منْ ذلكَ كله: إنْ يعرفْ لماذا يلعب، ومنْ أجلِ منْ يلعب، إنهُ منتخبُ العراقِ … ومنْ حقِ هذا الاسمِ الكبيرِ أنْ تكونَ لهُ كرةْ قدمٍ كبيرة.

 

 

 


مشاهدات 52
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/10/03 - 2:22 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 3:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 273 الشهر 3509 الكلي 16588678
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير