الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يحدث في ولاية بطيخ

← بواسطة azzaman

أذن وعين

يحدث في ولاية بطيخ                        

عبد اللطيف السعدون

 

باتت تفصيلات ما معروض أمام القضاء العراقي من قضايا فساد ونهب للمال العام تفوق أشد الخيالات جموحا، خاصة وقد وثقت بما عثر عليه من عملات نقدية (دولار ودينار) بالمليارات، وأكوام من الذهب، وكشفت عن أساليب إخفاء تجاوزت كل ما عرف في حالات مماثلة في بلدان أخرى ابتليت مثلنا بآفة الفساد، ولكن على نحو أقل وطأة، وفي الحالة العراقية الماثلة أخفيت العملات النقدية داخل الجدران، وفي أنابيب المجاري، وفي حفر مردومة بالطين فيما استقرت كرات الذهب في حقائب وصناديق لا تثير الشبهات، كل ذلك لكي لا تصل إليها العيون.

يذكرنا هذا بحكاية بائع البطيخ الذي قدم الى بغداد، ومعه 7 بطيخات بهدف بيعها هناك، وكان كلما مر بسور من أسوارها الستة استولى الحارس على واحدة من بطيخاته، وعندما وصل إلى قلب المدينة لم يبق لديه سوى بطيخة واحدة فقرر أن يشكو الأمر إلى الملك، وعندما قابل الملك استولى الأخير على البطيخة السابعة، وأمر بسجنه، عندها قال للملك: لقد تأكدت الآن أن ولايتك يا سيدي هي ولاية بطيخ!

مواقع خطيرة

حكاية «ولاية بطيخ» تتكرر في العراق منذ أزيد من 20 عاما، وتتناسل يوميا، وفي كل مرة تتساقط أسماء كبيرة، ومواقع خطيرة، وزراء سابقون، وبرلمانيون، ووكلاء وزارات، وأيضا شخصيات تتظاهر بالتقوى والنزاهة، بعضهم أخذ الجمل بما حمل وهرب، وشفعت له جنسيته الثانية للاستقرار في البلد الآخر، وآخرون التصقوا بكراسيهم، ولم يتجرأ أحد ان يقترب منهم، أكثر من ذلك هناك من نصح هيئات النزاهة والمحاكم بعدم الاقتراب من «حيتان» الصف الأول لأن ذلك قد يؤدي الى سقوط المعبد على ساكنيه.

وللعلم فقط فإن حصيلة الأعوام العشرين من المال المنهوب وصلت لأكثر من 2 تريليون دولار بشهادة منير حداد مستشار رئيس الحكومة.

ما العمل إذن؟

كل هذا يحتاج إلى وقفة تؤسس لواقع اجتماعي وسياسي جديد لا يعتبر الفساد مجرد ظاهرة عابرة أو سلسلة من السلوكيات غير النزيهة التي تشرعن اختلاس المال العام على أنه «مال سائب» يدخل في ملكية من يعثر عليه، ويتم التعامل به على هذا الأساس حتى من قبل أحزاب وكتل ترفع راية مكافحة الفساد في صدر برامجها الانتخابية ثم سرعان ما تطويها بعد أن قد تكون قد وصلت الى المواقع التي توفر المال والذهب.   

نحن أمام نظام معقد ومتعدد الشبكات يعمل على كسب الولاءات، والحفاظ على الامتيازات، وإسكات صوت الشعب، وفي هذا النظام ينظر من هم في السلطة الى عملية الاستئثار بالموارد العامة على أنها الوقود الذي يُبقي مكينة السيطرة على المجتمع شغالة دائما، ولا ننسى التأثير المتعدد الأوجه لهذه الظاهرة الشريرة، والذي لا يقتصر على حجم الأموال المستغلة بل يقوض أسس الثقة، ويجعل المواطنين  يشعرون بأن أصواتهم لا قيمة لها، كما تعيق هذه الآفة الاستثمارات الوطنية والأجنبية مُحوّلةً البلاد إلى منطقة عالية المخاطر تزدهر فيها الميليشيات ومافيات الجريمة المنظمة التي تجني الأرباح عبر صفقات غامضة.

ولا يمكن أن يختفي كل هذا بمجرد احالة صغار «الحيتان» الى القضاء، أو حتى بسنّ قوانين أو إنشاء مؤسسات وهيئات تُصبح في نهاية المطاف جزءًا من المشكلة، بل ينبغي أن تتكرس مبادئ الشفافية مدعومًة بنظام مفتوح تكون البيانات فيه متاحة للجميع، مع إشاعة قيم احترام الملكية العامة، والعمل على إعادة بناء الدولة على أسس النزاهة والوطنية والاخلاص.

ظاهرة الفساد

ما هو مطلوب إذن تغييرً جذريً في بنية النظام، خاصة وقد شكلت «العملية السياسية» الماثلة على مدى الأعوام العشرين السالفة المناخ المناسب لشرعنة ظاهرة الفساد وتقنينها، ولخداع السواد الأعظم من المواطنين الذين تعمل آلة السلطة على صرف عقولهم عن القضايا الحيوية والهامة، وأشغالهم بقناعات زائفة، وغير مجدية. هذا اذن يضعنا أمام معضلة لا سبيل لحلها من دون اسقاط «العملية السياسية»، وإعادة هيكلة المؤسسات وفق معايير أخلاقية حديثة تضمن تداول السلطة والخدمة العامة، وتمنع حدوث ظواهر شاذة كالتي نلاحظها اليوم.  

وبغير ذلك يظل «الحيتان» الكبار في مأمن، ويظل المواطنون ينتظرون مجيء «غودو» الذي قد لا يجيء!  

 

 

 


مشاهدات 50
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/10/03 - 3:36 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 4:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 351 الشهر 3587 الكلي 16588756
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير