الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في ظل تحوّلات الفضاء الرقمي.. الرواية العراقية وتجليات الواقع


في ظل تحوّلات الفضاء الرقمي.. الرواية العراقية وتجليات الواقع

عصام البرّام

 

لم يعد الواقع الذي تتحرك فيه الرواية العراقية المعاصرة واقعاً مستقراً يمكن الإمساك بحدوده بسهولة. فقد دخلت الحياة العراقية، شأنها شأن الحياة الإنسانية عامة، في مرحلة جديدة أعادت فيها التكنولوجيا الرقمية تشكيل طرائق التواصل والتفكير واستقبال الأحداث وصناعة الذاكرة. ولم تعد الشاشة وسيطاً محايداً بين الإنسان والعالم، بل تحولت إلى فضاء يومي تتشكل داخله العلاقات والصور والانفعالات والمواقف، حتى بات الواقع الرقمي جزءاً من الواقع المعاش، لا نقيضاً له. ومن هنا تبدو الرواية العراقية أمام مادة جديدة تفرض نفسها على السرد، وتدفع الروائي إلى إعادة النظر في أدواته وأسئلته وطرائق تمثيله للإنسان العراقي.

لقد عرفت الرواية العراقية خلال العقود الماضية تحولات عميقة ارتبطت بتحولات المجتمع نفسه. فالحروب، والعنف، والهجرة، والتحولات السياسية والاجتماعية، وتبدل صورة المدينة، كلها كانت حاضرة في المتن الروائي بوصفها وقائع وتجارب وذاكرة جمعية. غير أن دخول العالم الرقمي إلى تفاصيل الحياة اليومية أضاف طبقة جديدة إلى هذه التجربة؛ إذ أصبح الإنسان يعيش الأحداث في مستويين متداخلين: مستوى واقعي يرتبط بالمكان والجسد والشارع والعائلة والعمل، ومستوى افتراضي يتشكل عبر الهاتف والمنصات الاجتماعية والصور والرسائل والتعليقات والأرشيف الإلكتروني.

الرواية العراقية أمام واقع يتغير

تكمن أهمية هذا التحول في أنه لم يغيّر موضوعات الرواية فحسب، بل مسّ مفهوم الواقع ذاته. فالواقع في الرواية العراقية لم يعد محصوراً في ما يحدث خارج الشخصية، وإنما أصبح ما يظهر على شاشة الهاتف جزءاً من وعيها وذاكرتها وعلاقاتها. قد تصل الأخبار قبل أن تصل الشخصية إلى مكان الحدث، وقد تصبح صورة منشورة على منصة رقمية أكثر حضوراً من الحادثة الأصلية، وقد تتحول رسالة إلكترونية أو محادثة قصيرة إلى مفتاح لفهم علاقة إنسانية كاملة.

وهنا تواجه الرواية العراقية سؤالاً جمالياً مهماً: كيف يمكن تمثيل واقع سريع ومتغير، تتدفق فيه المعلومات والصور بلا توقف؟ إن السرد التقليدي يقوم في جانب منه على الانتقاء والتأمل وترتيب الأحداث، بينما يعمل العالم الرقمي بمنطق السرعة والتراكم والتشظي. ولذلك بدأت الرواية الحديثة تستفيد من بعض مظاهر هذا الواقع في بناء شخصياتها وأحداثها، فتظهر الرسائل الإلكترونية والمحادثات والمنشورات والصور الرقمية بوصفها مكونات داخل النسيج السردي، لا مجرد عناصر تزيينية.

لكن استثمار الرقمي في الرواية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد محاكاة تقنية. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في إدخال مفردات التكنولوجيا إلى النص، وإنما في اكتشاف ما أحدثته التكنولوجيا من تغير في الإنسان. الشخصية التي تمسك هاتفها طوال الوقت ليست شخصية رقمية بالضرورة، ما لم يكشف السرد كيف غيّر هذا الهاتف علاقتها بالآخر، وكيف أعاد تشكيل وحدتها، وذاكرتها، ومخاوفها، وصورتها عن ذاتها.

الذاكرة العراقية في زمن الصورة

من أكثر المجالات التي يمكن أن تكشف فيها الرواية العراقية أثر التحول الرقمي مجال الذاكرة. فقد كانت الذاكرة العراقية، في مراحل طويلة، مرتبطة بالحكاية الشفوية والصورة الفوتوغرافية والوثيقة الورقية وشهادات الأفراد. أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول جهازاً لحفظ لحظات الحياة وتوثيقها، وأصبحت المنصات الرقمية فضاءات هائلة لتخزين الصور والتعليقات والتجارب الشخصية. إن هذه المواد، على الرغم من هشاشتها وتعرضها للتلاعب والحذف، تشكل نوعاً جديداً من الأرشيف اليومي.

ومن هنا تستطيع الرواية أن تعيد قراءة الماضي من خلال ما بقي منه في الذاكرة الرقمية. صورة قديمة تظهر فجأة على شاشة هاتف يمكن أن تستدعي تاريخاً عائلياً كاملاً، ومنشور منسي قد يعيد شخصية إلى لحظة ظنت أنها تجاوزتها، بينما يمكن لمحادثة محفوظة أن تتحول إلى وثيقة تكشف ما أخفته الذاكرة أو حاولت نسيانه. وبهذا المعنى، يصبح الأرشيف الرقمي مادة سردية تساعد الروائي على مساءلة العلاقة بين الحقيقة والذاكرة، وبين ما حدث فعلاً وما بقي منه في الوعي.

إن الرواية العراقية، وهي تتعامل مع تاريخ مثقل بالأحداث والتحولات، تجد في البيئة الرقمية إمكاناً جديداً لإعادة تركيب الذاكرة الفردية والجماعية. لكنها في الوقت نفسه تواجه مشكلة صدقية هذه الذاكرة؛ فالصورة قد تكون منتقاة، والمنشور قد يكون موجهاً إلى جمهور محدد، والرسالة قد تكون محذوفة أو مبتورة من سياقها. ولذلك يصبح الروائي أمام واقع لا يقدم الحقيقة جاهزة، وإنما يقدم شظايا تحتاج إلى التأويل.

من المدينة الواقعية إلى المدينة الرقمية

ولعل المدينة العراقية هي المجال الأوضح لتجليات هذا التحول. فالمدينة التي عرفتها الرواية بوصفها شوارع وأسواقاً ومقاهي وبيوتاً وأحياءً، أخذت تكتسب امتداداً جديداً عبر الفضاء الإلكتروني. لم تعد بغداد أو البصرة أو الموصل أو النجف أو كربلاء، في التجربة الروائية المعاصرة، مجرد أمكنة جغرافية، بل يمكن أن تمتد صورتها إلى صفحات التواصل والمجموعات الرقمية والمحادثات العابرة للحدود.

لقد أصبح بإمكان الشخصية العراقية أن تعيش في مدينة وتعمل في أخرى، وأن تحافظ على علاقة يومية مع شخص بعيد آلاف الكيلومترات، وأن تحمل مدينتها القديمة معها في صور ومقاطع ورسائل. ومن هنا يتغير مفهوم المكان الروائي. فالمكان لم يعد بالضرورة نقطة ثابتة تتحرك داخلها الشخصية، بل أصبح شبكة من الأمكنة الواقعية والافتراضية المتداخلة.

وهذا التحول ينعكس أيضاً على صورة المنفى والهجرة، وهما من الموضوعات البارزة في الرواية العراقية. فالمنفي العراقي اليوم لا يعيش القطيعة نفسها التي عرفتها أجيال سابقة؛ إذ تتيح الوسائط الرقمية نوعاً من الحضور المتواصل مع الوطن. غير أن هذا الحضور لا يلغي الغربة، بل قد يجعلها أكثر تعقيداً، لأن الشخص يرى وطنه باستمرار من خلال الشاشة، لكنه يظل بعيداً عنه جسداً ومكاناً. وهكذا يصبح الاتصال الرقمي في بعض الأحيان وسيلة لتخفيف المسافة، وفي أحيان أخرى تذكيراً دائماً بها.

إن الرواية العراقية في ظل هذه التحولات تقف أمام واقع مركب، تتجاور فيه الذاكرة مع الصورة، والحضور مع الغياب، والمدينة الواقعية مع المدينة الافتراضية. ولا يبدو أن وظيفة الرواية تتمثل في اللحاق بالتكنولوجيا أو تسجيل مظاهرها اليومية فحسب، وإنما في مساءلة آثارها العميقة في الإنسان والمجتمع.

فالرقمي ليس موضوعاً خارجياً يمكن للرواية أن تستعيره متى شاءت، بل صار جزءاً من تكوين الشخصية ومنطق العلاقات الاجتماعية ومن آليات إنتاج الذاكرة. ومن هنا تكتسب الرواية العراقية فرصة جديدة لإعادة اكتشاف الواقع، لا باعتباره مجموعة أحداث جاهزة، وإنما باعتباره شبكة متغيرة من التجارب والصور والأصوات والذكريات.

وفي هذا السياق، تظل الرواية قادرة على أداء دورها الأساسي: منح المعنى لما يبدو عابراً، وتحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة إنسانية وجمالية. وإذا كانت التكنولوجيا قد سرعت إيقاع الحياة، فإن الرواية تستطيع أن تمنح هذا الإيقاع لحظة تأمل، وأن تكشف ما تخفيه الشاشات خلف وفرة الصور والكلمات. وبين واقع يتغير بسرعة وسرد يحاول فهم هذا التغير، تتشكل ملامح جديدة للرواية العراقية، ملامح لا تنفصل عن تاريخها، لكنها تنفتح على أسئلة المستقبل، حيث يصبح الواقع الرقمي أحد أهم المرايا التي يرى فيها الإنسان العراقي نفسه وعالمه وتحولاته.

 


مشاهدات 31
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/10/03 - 1:54 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 2:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 208 الشهر 3444 الكلي 16588613
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير