ما الذي يبقى حين يرحل كل شيء؟
إبراهيم المحجوب
حين يرحل كل شيء، لا يبقى لنا من الدنيا سوى ما تركناه في قلوب الآخرين. فالأشياء مهما عظمت، لها نهاية، والبيوت تتغير، والأماكن تتبدل، والوجوه التي ألفناها قد تغيب ذات يوم خلف ستار الرحيل. حتى الصور التي نظنها خالدة، يطويها الزمن في أدراج الذاكرة، وتصبح شاهدا صامتا على أيام مضت ولن تعود...لكن الإنسان لا يرحل تماما حين يغادر هذه الحياة، فهناك أشياء لا تستطيع السنوات دفنها. كلمة طيبة قالها في وقت كان فيه الآخر بحاجة إليها، موقف شجاع وقف فيه مع مظلوم، يد امتدت إلى محتاج، ابتسامة أضاءت قلبا حزينا، أو حتى ذكرى صغيرة بقيت في ذاكرة شخص ما. تلك هي الثروة الحقيقية التي لا تقاس بما نملك، بل بما نتركه خلفنا من أثر.
كم من أشخاص رحلوا منذ سنوات، وما زالت أسماؤهم حاضرة كلما مررنا بمكان جمعنا بهم، أو سمعنا كلمة كانوا يرددونها، أو تذكرنا موقفا صغيرا صنعوه دون أن يدركوا أنه سيبقى في ذاكرتنا طويلا. وكم من إنسان عاش طويلا بين الناس، لكنه رحل وكأنه لم يمر من هنا، لأن حياته لم تترك وراءها سوى فراغ.نحن في الحقيقة لا نملك الزمن، بل نمر من خلاله. وكل يوم نعيشه ليس ملكا لنا، وإنما فرصة جديدة لنكتب سطرا في ذاكرة الآخرين. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال ولا المناصب ولا كثرة الممتلكات، وإنما سيرة نظيفة، وكلمة صادقة، وقلوب تقول بعد رحيله: كان هنا إنسان يستحق أن نتذكره.وحين نكتب عن الماضي وتراثه، وعن البيوت القديمة والعادات والتقاليد، وعن رجال ونساء عاشوا بيننا ثم رحلوا إلى عالم آخر، فإننا لا نكتب لمجرد استعادة الحكايات، بل نحاول أن ننقذ شيئا من ذاكرة الزمن قبل أن تبتلعه الأيام. فما نكتبه اليوم قد يصبح غدا وثيقة يقرأها أبناء لم يعرفوا أصحابها، وربما تكون تلك الكلمات هي النافذة الوحيدة التي يطلون منها على عالم كان ذات يوم حقيقيا نابضا بالحياة.ربما يرحل الأب، ويبقى صوته في ذاكرة أبنائه. ويرحل الصديق، وتبقى مواقفه. وترحل الأم، وتبقى دعواتها في القلب. ويرحل المكان، وتبقى رائحته في الذاكرة. ويرحل جيل كامل، وتبقى حكاياته شاهدة على زمن لن يعود.
لذلك، حين نسأل: ما الذي يبقى حين يرحل كل شيء؟ ربما يكون الجواب أبسط مما نتصور: يبقى الأثر. يبقى ما زرعناه في النفوس، وما تركناه من كلمات ومواقف وذكريات. ويبقى الخير الذي فعلناه في حياة إنسان، حتى لو لم نعرف يوما كم كان ذلك الخير عظيما بالنسبة إليه.
وفي النهاية، قد تنسى الدنيا أسماءنا، وقد تتغير ملامح الأماكن التي عشنا فيها، وقد تبهت صورنا القديمة، لكن إن بقيت هناك روح واحدة تتذكرنا بخير، أو كلمة واحدة تحمل شيئا من أثرنا، أو حكاية جميلة يرويها أحد عن أيام جمعتنا به، فنحن لم نرحل تماما.
فالإنسان لا يقاس بطول بقائه، وإنما بعمق الأثر الذي يتركه بعد الرحيل.