ثلاثة أيام من الجدل.. صافرة الحكم وقضية مادبو من يعيد حق اليمن؟
النجف -نجم عبد كريدي
لم يكن المنتخب القطري بحاجة إلى أكثر من ثلاثة أيام لكي يصبح طرفاً رئيسياً في جدلين مختلفين، لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد كبير: أين تقف العدالة الرياضية عندما تكون القرارات التحكيمية واللوائح القانونية قادرة على تغيير مصير مباراة ومجموعة كاملة؟
ففي «خليجي 27» المقامة حالياً في جدة، لم يقتصر الحديث عن المنتخب القطري على نتائجه داخل الملعب، وإنما امتد إلى قضيتين أثارتا جدلاً واسعاً؛ الأولى تحكيمية في مواجهة اليمن، والثانية قانونية تتعلق بمشاركة لاعب الوسط عاصم مادبو أمام البحرين.
ركلة جزاء اليمن
في مساء الأحد 27 ايلول ، التقى المنتخب القطري بنظيره اليمني في الجولة الثانية من منافسات المجموعة الثانية، وانتهت المباراة بفوز قطر بهدف وحيد سجله يوسف عبدالرزاق في الدقيقة 64.
لكن أكثر اللقطات إثارة للجدل جاءت في الدقائق الأخيرة وبالتحديد في الدقيقة 86، عندما سقط اللاعب اليمني ناصر محمدوه داخل منطقة الجزاء بعد احتكاك مع المدافع القطري بيدرو ميغيل.
الحكم الأردني أدهم مخادمة أمر باستمرار اللعب محتسبا ركلة مرمى!! ، ولم تتم مراجعة الحالة من خلال تقنية حكم الفيديو المساعد الذي يشرف عليها حكم سعودي!! ، وهو القرار الذي أثار اعتراضات واسعة من الجانب اليمني، قبل أن يتطور الأمر إلى احتجاج رسمي على أداء الحكم والمطالبة بإبعاده عن بقية مباريات البطولة. واللافت أن القضية لم تبقَ في حدود اعتراض اللاعبين والجمهور، بل دخل محللون وخبراء تحكيميون على خط النقاش، ومن بينهم الخبير الإماراتي فريد علي الذي اعتبر أن اليمن استحق ركلة جزاء، وأن زاوية رؤية الحكم لم تكن مثالية، وكان ينبغي على الـVAR مراجعة الحالة. كما رأى في تحليله أن ركلة الجزاء التي احتسبت لقطر في المباراة نفسها لم تكن صحيحة. برنامج الحكم من قناة الكأس عرض الحالة بوضوح فاكد ثلاثة محللون استحقاق اليمن لركلة جزاء لاغبار عليها وهم السعودي عبد الرحمن الزيد والقطري عبدالله القحطاني والسوري تمام حمدون، بينما كان راي المحلل القطري سعود العذبة الذهاب مع الحكم بعدم احتساب ركلة جزاء، المحللون الثلاثة منحوا الحكم درجة تقييم واطئة فمنح الزيد الحكم 7،4 والقحطاني 7،2 وحمدون 7،3!! وهي درجات تؤكد وقوع اىحكم باخطاء مؤثرة غيرت نتيجة المباراة!!
لكن هذه الآراء تظل تحليلات فنية، ولا تُعدّ بحد ذاتها قراراً رسمياً يثبت وقوع مخالفة أو يغيّر نتيجة المباراة.
وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة من مجرد «خطأ تحكيمي».
فالمنتخب اليمني كان يبحث عن هدف التعادل، وكانت ركلة الجزاء ــ لو احتُسبت وسُجلت ــ كفيلة بتغيير شكل الدقائق الأخيرة، وربما تغيير حسابات المجموعة بأكملها. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أخطأ الحكم أم لم يخطئ؟ وإنما: هل كان القرار مؤثراً في نتيجة المباراة؟ وهل كان تدخل الـVAR مطلوباً وفق معايير الحالة؟
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن اليمن لم يكتفِ بالاعتراض الإعلامي، إذ أعلن نائب رئيس بعثته محمد الشومي تقديم احتجاج رسمي إلى الاتحاد الخليجي على الحكم مخادمة، وكان من بين أهداف الاحتجاج المطالبة بإبعاده عن بقية مباريات البطولة. ولا يتواجد هنا، من دون نشر القرار الرسمي، ما يثبت أن الاحتجاج انتهى إلى إقرار بوجود خطأ تحكيمي أو إلى تعديل نتيجة المباراة ، الإتحاد الخليجي رد على تلك الاعتراضات والاحتجاجات بتعيين الحكم الاردني مخادمة جكما رابعا في مباراة العراق والسعودية!!!
*ومادبو.. قضية أخرى لا تقل إثارة!
وقبل مباراة اليمن وقطر بثلاثة أيام فقط، وبالتحديد كان المنتخب القطري قد فاز على البحرين بهدفين دون رد في افتتاح مشواره بالبطولة، بمشاركة عاصم مادبو، اللاعب الذي كان قد تعرض للطرد مع قطر أمام كندا في كأس العالم 2026 وبالتحديد يوم يوم الجمعة 2026/6/19 .
قضية القانونية
بحسب ما نُشر، أوقف الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» مادبو خمس مباريات بعد البطاقة الحمراء التي حصل عليها أمام كندا بسبب التدخل العنيف الذي تسبب في إصابة اللاعب الكندي إسماعيل كونيه. غير أن تفاصيل القرار التأديبي الأصلي، ولا سيما نصه الكامل ونطاق تطبيقه، يجب الرجوع فيها إلى القرار الرسمي الصادر عن الجهة المختصة، لا إلى التقارير الصحفية وحدها.
وغاب مادبو بالفعل عن المباراة الأخيرة لقطر في كأس العالم أمام البوسنة والهرسك، ولذلك اعتبر الاتحاد البحريني أن اللاعب لم يستنفد كامل العقوبة، وتقدم باحتجاج رسمي على مشاركته أمام البحرين. أما عدد المباريات التي نُفذت فعلياً، وما إذا كانت مباراة البوسنة والهرسك داخلة في العقوبة، فهما أمران يحتاجان إلى تأكيد من مصدر القرار التأديبي وسجل التنفيذ الرسمي.
لكن لجنة الانضباط في اتحاد كأس الخليج رفضت الاحتجاج، وأُعلنت أن عقوبة مادبو لا تُطبّق على منافسات خليجي 27. كما أفادت مصادر صحفية بأن الاحتجاج البحريني رُفض أيضاً من الناحية الإجرائية بسبب عدم تقديمه ضمن المهلة المحددة، مع التأكيد على أن العقوبة نفسها لا تنتقل إلى مباريات البطولة الخليجية.
وهذه النتيجة، إن صحت وفق القرار المنشور، تثبت فقط أن الجهة المختصة رفضت احتجاج البحرين وأبقت نتيجة المباراة؛ لكنها لا تكشف وحدها الأساس القانوني الكامل ما لم يُنشر القرار بأسبابه ونصوصه المرجعية.
وهنا تحديداً يجب أن نتوقف.
هل كون خليجي 27 ضمن «أيام فيفا» يعني أن عقوبة مادبو يجب أن تُنفذ فيها؟
هذه النقطة تحتاج إلى شيء من الدقة.
نعم، البطولة تقام خلال الفترة التي حددها فيفا كنافذة للمباريات الدولية، وهي من 21 ايلول إلى 6 تشرين الأول 2026. والاتحاد السعودي يدرج خليجي 27 ضمن هذه الفترة في تقويمه الرسمي. وهذه معلومة زمنية لا تكفي وحدها لإثبات الصفة القانونية للبطولة أو نطاق تنفيذ العقوبة.
لكن وجود البطولة داخل نافذة فيفا لا يعني وحده أنها بطولة ينظمها فيفا أو أن جميع عقوباته الانضباطية تنتقل إليها تلقائياً.
كذلك فإن اعتماد بعض مباريات البطولة ضمن المباريات الدولية التي يمكن أن تؤثر في تصنيف فيفا يرتبط باعتماد المباراة كمباراة دولية «A»، وليس بمجرد وقوعها داخل النافذة الزمنية. فيفا نفسه ينص على أن المباريات لا تُحتسب في التصنيف إلا بعد اعتمادها كمباريات دولية A، كما أن تصنيف المباراة يمكن أن يتغير إذا خُفّضت صفتها لاحقاً، غير أن صفة المباراة في التصنيف لا تحسم وحدها مسألة تنفيذ عقوبة انضباطية، فذلك يتوقف على نص القرار التأديبي واللوائح ذات الصلة ونطاق اختصاص الجهة التي أصدرت العقوبة.
ولهذا فإن القضية القانونية الحقيقية ليست في سؤال: هل خليجي 27 داخل أيام فيفا؟
بل في سؤال أدق:
ما الصفة القانونية المحددة لمباريات خليجي 27 في لوائح فيفا والانضباط الدولي، وما النص الذي يحدد أين وكيف تُنفذ العقوبة الصادرة بحق مادبو؟
وهذا هو السؤال الذي يستحق جواباً رسمياً وواضحاً، لا مجرد تفسيرات إعلامية متباينة. ولا يمكن الجزم بأن العقوبة كانت تشمل البطولة أو تستثنيها من دون الاطلاع على القرار التأديبي الأصلي، وقرار لجنة الانضباط الخليجي، واللوائح التي استند إليها كل منهما.
لكن ماذا عن اليمن؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
المنتخب اليمني خرج من البطولة بعد خسارته أمام قطر، ووفق التقارير المنشورة كان اعتراضه الأساسي على عدم احتساب ركلة الجزاء في الدقائق الأخيرة.
ولذلك فإن الحديث عن «حق اليمن» يجب ألا يتحول إلى حكم مسبق بأن المباراة سُرقت منه، وإنما يجب أن يكون مطلباً واضحاً: إذا كانت الحالة ركلة جزاء وفق قانون اللعبة، وإذا كان الـVAR ملزماً بالتدخل في حالة خطأ واضح ومؤثر، فمن المسؤول عن مراجعة القرار؟ وإذا ثبت، بقرار فني رسمي أو بتقييم الجهة المختصة، أن القرار التحكيمي كان خاطئاً ومؤثراً، فإن المسألة لا تنتهي بقولنا إن «الحكم أخطأ».
لأن الأخطاء التحكيمية المؤثرة هي التي تجعل لجان الحكام مطالبة بمراجعة أداء الطاقم وتقييمه ومحاسبته وفق الأنظمة.
أما نتيجة المباراة نفسها، فتبقى مرتبطة باللوائح التي تحكم المسابقة وآليات الاحتجاج والاستئناف، وليس بمجرد التحليل التلفزيوني. ولا يوجد في المعطيات المذكورة ما يثبت أن نتيجة المباراة عُدّلت أو أن إعادة المباراة أُقرت.
*ثلاثة أيام.. وملف واحد عنوانه العدالة..
خلال ثلاثة أيام فقط، وجد المنتخب القطري نفسه في قلب قضيتين مختلفتين:
الأولى: ركلة جزاء لليمن لم تُحتسب، وسط آراء تحليلية رأت وجود مخالفة تستحق المراجعة أو الاحتساب، من دون أن يشكل ذلك وحده إثباتاً رسمياً للخطأ.
والثانية: مشاركة عاصم مادبو رغم عقوبة إيقاف نُسبت إلى فيفا لخمس مباريات، وهي مشاركة طعن فيها الاتحاد البحريني، قبل أن يُرفض احتجاجه وتستمر نتيجة المباراة كما هي. أما مدى انطباق العقوبة على البطولة، فيظل مرتبطاً بنص القرار التأديبي واللوائح وقرار الجهة المختصة، ولا يكفي فيه القول إن البطولة أقيمت خلال نافذة دولية.
وفي القضيتين لا ينبغي أن يكون المطلوب هو إدانة المنتخب القطري، ولا تحميله مسؤولية قرارات الحكام أو اللجان.
المطلوب ببساطة هو وضوح اللوائح، وشفافية القرارات، وتكافؤ الفرص بين جميع المنتخبات.
فإذا كانت عقوبة مادبو لا تشمل خليجي 27، فليُنشر النص القانوني الذي يوضح ذلك.
وإذا كانت تشملها، فليُشرح لماذا سُمح له بالمشاركة، وعلى أي أساس رُفض الاحتجاج.
وإذا كانت ركلة جزاء اليمن مستحقة، فليُعلن بوضوح أين وقع الخطأ التحكيمي، وما الإجراء المتخذ بحق الطاقم.
أما أن تبقى الأمور بين «قالوا» و«قيل» و«مصدر مطلع» و«تحليل تلفزيوني»، فهذا لا يخدم البطولة ولا التحكيم ولا المنتخبات.
*ومن يعيد حق اليمن؟
قد لا يكون بالإمكان إعادة الدقيقة 86 إلى الملعب، ولا إعادة المباراة إلى نقطة الصفر.
لكن يمكن إعادة شيء أهم:
إعادة الثقة.
والثقة لا تُبنى بالصمت، ولا بتبرير القرارات، وإنما بالشفافية.
إذا ثبت رسمياً أن اليمن قد ظُلم تحكيمياً، فإن حقه يبدأ من الاعتراف بالخطأ وتقييمه ومحاسبة المسؤول عنه وفق اللوائح.
وإذا لم يثبت ذلك، فليخرج من يملك الصفة الفنية ليشرح للجمهور لماذا لم تكن الحالة ركلة جزاء، ولماذا لم يتدخل الـVAR.
وبالمثل، فإن قضية مادبو تحتاج إلى تفسير قانوني مكتوب يضع النقاط على الحروف، لأن كرة القدم الحديثة لا تُدار بالانطباعات، وإنما بالقوانين واللوائح والنصوص.
خليجي 27 ما زالت في الملعب، لكن العدالة أيضاً يجب أن تكون في الملعب... وخارجه.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد كل هذا الجدل:
هل خسر اليمن مباراة فقط... أم خسر حقاً كان يمكن أن يغيّر حسابات المجموعة؟ ومن يملك الآن الإجابة؟