الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا تنجح السموم وتفشل القيم؟

← بواسطة azzaman

لماذا تنجح السموم وتفشل القيم؟

محمد رشيد

 

​التسويق ليس مجرد إعلان عابر، بل هو علم وفن، وعملية هندسة متكاملة لدوافع الإنسان ورغباته. إنه القادر على تحويل المنتج إلى فكرة، والفكرة إلى سلوك جماعي. وحين نتأمل مشهد السوق العالمي، نصطدم بحقيقة صادمة كيف تستطيع قوى الشر والتدمير تسويق منتجاتها ببراعة مذهلة بينما نعجز نحن عن تسويق أجمل وأرقى ما نملك؟

​خذ على سبيل المثال علب السجائر فهي تحمل تحذيراً صارخاً وواضحاً بلغة حاسمة «التدخين ضار بصحتك ويسبب الموت» ورغم ذلك نشهد إقبالاً مليونياً عليها! السر لا يكمن في المنتج ذاته، بل في عبقرية التغليف وصناعة الصورة الذهنية. الشركات استطاعت ربط التدخين بالرجولة، الاسترخاء، والجاذبية، فألغت التحذير المكتوب أمام سطوة الصورة المزخرفة.

​الأمر ذاته يتكرر مع زجاجات الخمور الفاخرة فتلك الزجاجات تُصمم بتصميمات فنية مذهلة وألوان ساحرة تجعلها تحفة فنية تُعرض في الواجهات، متجاوزةً حقيقة أنها محرمة وتتسبب بأمراض القلب وتصلب الشرايين والدمار الصحي والنفسي. هنا لعب «فن التغليف» ودقة اختيار الألوان وحملات الميديا دور السحر في إغواء المستهلك.

​شاهد الأسواق والمولات الكبرى اليوم ستجدها تعج بالمعلبات بكل أصنافها وإقبالاً يومياً منقطع النظير تاريخياً وُجدت المعلبات خصيصاً لتكون حلاً طارئاً للبحارة في رحلاتهم الطويلة بالمحيطات لحفظ الطعام من التلف. والأغرب أن بعض هذه المواد تحتوي على مواد حافظة كيميائية قوية (مثل الفورمالدهايد، التي تُستخدم أساساً في تحنيط الجثث!). ورغم ذلك، وبفضل براعة الإعلان والتسويق واستخدام الألوان الجذابة أصبحت أساساً يومياً على مائدتنا دون تردد.​في المقابل وعندما ننظر إلى واقعنا سنكتشف مرارة الحقيقة... نحن فاشلون بامتياز في تسويق ما يخصنا.

​لا نعرف كيف نسوق لديننا الحنيف بسماحته وجماله ووسطيته.

​نعجز عن إبراز أعمالنا الصالحة ومبادراتنا الإنسانية بطريقة تلامس القلوب.

​برامجنا الثقافية والفكرية تبقى حبيسة الأدراج لأننا نجهل لغة الميديا العصرية، وفن العرض، وكيفية جذب العقول والأنظار.

​المنتجات الضارة تنتصر لا لأنها نافعة، بل لأن خلفها عقولاً تدرك كيف تُغلف، كيف تختار ألوانها، وكيف تخاطب المشاعر عبر وسائل الإعلام الحديثة. أما نحن، فنمتلك أطهر المبادئ وأرقى القيم، لكننا نكتفي بعرضها بطرق تقليدية ومملة.​إن لم نتعلم قواعد التسويق الحديث، ونستثمر في جماليات العرض وفن الخطاب الإعلامي، سنبقى نشتري ما يضرنا، ونعجز عن إيصال ما ينفعنا، لنستحق بذلك لقب «فاشلون بامتياز» عن جدارة واستحقاق.

 

 


مشاهدات 33
الكاتب محمد رشيد
أضيف 2026/09/26 - 12:41 AM
آخر تحديث 2026/09/26 - 1:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 43845 الكلي 16576365
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير