إلى رئيس الوزراء… لماذا ننتظر الفساد حتى يقع؟
عباس النوري
استوقفتني رسالة العميد علي القريشي إلى رئيس الوزراء، بما حملته من مقترحات مباشرة وجريئة لمواجهة الهدر والفساد في مؤسسات الدولة.
من بين ما طرحه: مراجعة الرواتب الوهمية والمزدوجة، والامتيازات والدرجات الخاصة، وترهل بعض المؤسسات والبعثات، وضبط المنافذ الحدودية ومزاد العملة، وتفعيل قانون «من أين لك هذا؟»، ودعم المزارعين والمنتجين، وتوجيه المال العام نحو المدارس والمستشفيات والماء والمجاري وفرص العمل.
قد نختلف مع بعض التفاصيل أو الأرقام الواردة في هذه المقترحات، لكن جوهر الفكرة يستحق التوقف عنده:
أن أموال العراق موجودة، وأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يكمن في الهدر وسوء الإدارة والفساد، وأن حماية المال العام تعني بالنتيجة حماية المواطن.
لكنني أريد أن أذهب بالفكرة خطوة أخرى.
لماذا ننتظر الفساد حتى يحدث ثم نبحث عن الفاسد؟
لماذا لا نبني نظامًا وطنيًا يستطيع أن يكتشف إشارات الفساد قبل أن يتحول إلى فساد؟
من هنا جاءت فكرتي التي طرحتها تحت عنوان:
«النظام الوطني الذكي للإنذار المبكر قبل حدوث الفساد»
وهو مشروع يقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والرقابة الرقمية لرصد المؤشرات غير الطبيعية في العقود والمناقصات والمشاريع والصرف والتكاليف والتنفيذ، والتنبيه إلى مواطن الخطر قبل أن تتحول إلى خسارة فعلية للمال العام.
فإذا كان هناك عقد ترتفع تكلفته بصورة غير مبررة، أو مشروع يتأخر بصورة غير طبيعية، أو أسعار تتكرر فيها أنماط مشبوهة، أو علاقة غير طبيعية بين الصرف والتنفيذ، فلماذا ننتظر سنوات حتى تظهر القضية في التحقيقات؟
لماذا لا تصل إشارة الإنذار إلى الجهات الرقابية قبل أن تضيع الأموال؟
أنا لا أطرح هذا المشروع باعتباره حلًا سحريًا، ولا أقول إن التكنولوجيا وحدها تستطيع القضاء على الفساد.
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قانون، وشفافية، ورقابة مستقلة، وبيانات صحيحة، وإرادة سياسية.
لكنه يستطيع أن يمنح الدولة شيئًا مهمًا جدًا:
القدرة على رؤية الخطر قبل وقوع الضرر.
وأقول هذا الكلام وأنا رجل جاوز عمري السبعين.
لا أبحث عن منصب، ولا وظيفة، ولا امتياز، ولا تصفيق.
لم أكتب هذه الكلمات لأحصل على شيء من الدولة.
خبرتي في الحياة، وما رأيته وعشته، وحبي للعراق وشعبه، هي التي تدفعني إلى الكتابة.
قد أكون مصيبًا في فكرة ومخطئًا في أخرى، وقد تحتاج بعض مقترحاتي إلى دراسة وتطوير من قبل المختصين.
وهذا لا يزعجني.
بل أقول:
خذوا الفكرة، ناقشوها، طوّروها، واختلفوا معي فيها إن وجدتم ما هو أفضل.
المهم أن نبحث عن حل.
فالعراق لا يحتاج فقط إلى أجهزة تلاحق الفساد بعد وقوعه.
العراق يحتاج إلى منظومة وطنية تمنع الفساد قبل وقوعه.
ولا أريد أن يكون هذا المشروع مشروع عباس النوري.
أتمنى أن يكون، إذا ثبتت جدواه، مشروع العراق.
فأنا لا أبحث عن اسمي في المشروع…
أنا أبحث عن عراقٍ لا يحتاج المواطن فيه إلى أن يسأل: أين ذهبت أموالنا؟