الرئاسة الصفراء وكسر العُرف السياسي
نبز شهرزوري
لم تعد فكرة بناء القلاع والحصون، الصفراء والخضراء، فكرة سديدة في عالم تتقدم فيه التكنولوجيا القادرة على هدم أقوى التحصينات. ولعل الحل الأمثل لمواجهة الخلافات السياسية لا يكمن في بناء المزيد من القلاع، وإنما في الجلوس إلى طاولة الحوار، والبحث عن نقاط التفاهم والمصالح المشتركة.
ففي الانتخابات الأخيرة، سعى الحزب الديمقراطي الكردستاني» البارتي» إلى الحصول على منصب رئاسة الجمهورية، وتحويله إلى ما يمكن تسميته بـ«القلعة الصفراء»، نسبةً إلى لون الحزب، أسوةً بمنصب رئاسة إقليم كردستان. غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الحزب، فذهب المنصب إلى غريمه التقليدي، الاتحاد الوطني، وهو الحزب الذي خرج أصلًا من عباءة الحزب الديمقراطي في مرحلة سابقة.
والحزبان، في نهاية المطاف، خرجا من رحم معاناة شعب كردستان وتضحياته، وكلاهما يمثل جزءًا من تاريخ الحركة السياسية الكردية. كما أن كردستان، بمؤسساتها وأحزابها وشعبها، اتجهت إلى بغداد لترشيح أحد أبنائها لتولي منصب رئاسة الجمهورية.
ومن هنا، فإن الفائز الحقيقي في هذه العملية السياسية ينبغي أن يكون الشعب، وليس هذا الحزب أو ذاك. إذا ما جرى التعامل مع المسألة بروح ریاضية تتجاوز منطق الغلبة الحزبية.
وهذا الكلام موجّه إلى الكبار، لأن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع الارتقاء إلى مستوى المسؤولية السياسية. وكما قال المتنبي:
«إذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام»
ومن الحكمة أن ننسى الماضي، وأن نتطلع إلى المستقبل؛ لأننا اليوم بحاجة إلى التحلي بالروح الرياضية لتقبل نتائج العملية الديمقراطية. فبعد أن تضع المنافسة الانتخابية أوزارها، لا ينبغي أن يبقى مجال لمصطلحي «الرابح» و«الخاسر»، لأن مصلحة البلاد واستقرارها يجب أن تكون فوق كل اعتبار.
وفي السياسة، كما في الرياضة، قد يفوز فريق في مباراة، لكن ذلك لا يعني أن الفريق الآخر أصبح خصمًا دائمًا. لذلك، ينبغي أن نقول «هارد لك» للفريق الذي لم ينجح في الوصول إلى مراده، ثم نفتح صفحة جديدة، ونتجاوز الخلافات الماضية، ونركز على المرحلة المقبلة، بما تتطلبه من تفاهمات قادرة على إنهاء حالة الانسداد السياسي بين الطرفين.
إن التوجه نحو قبول النتائج والتعامل مع الواقع السياسي الجديد أصبح ضرورة ملحة لتحقيق الاستقرار، والانتقال من صراع المناصب إلى معالجة الملفات التي تمس حياة المواطنين قبل أي شيء آخر.
كسر العُرف السياسي
جوهر الخلاف لدى «البارتي» يتمثل في محاولة كسر العُرف السياسي القائم منذ عام 2003 في توزيع المناصب السيادية في بغداد، والذي أفضى إلى تولي الاتحاد الوطني منصب رئاسة الجمهورية.ويرى «البارتي» أن المنصب، ينبغي ألا يكون حكرًا على جهة سياسية معينة، وأن المرشح لهذا المنصب يجب أن يأتي إما بتوافق كردي، أو أن يمثل الحزب الحاصل على الأغلبية داخل الإقليم.ومن حيث المبدأ، فإن طرح مسألة عدم احتكار المناصب السيادية من قبل جهة سياسية واحدة يمكن أن يكون موضوعًا مشروعًا للنقاش. غير أن رفض الآلية التنافسية أو عدم الاعتراف بنتائجها لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لكسر مبدأ التوافق .فالخلاف السياسي يمكن أن يُدار بالحوار والتفاهم، لا بمنطق كسر الإرادات أو فرض المعادلات الحزبية.
الأولوية لملفات الإقليم
إن التوافق على حسم الملفات الاقتصادية والمالية، ومعالجة تأخر رواتب الموظفين، وضمان حصة إقليم كردستان من الموازنة الاتحادية، وتنظيم عائدات المنافذ الحدودية، وتصدير النفط والغاز وتشكيل الكابينة الحكومية، كلها ملفات أكثر أهمية وإلحاحًا من استمرار الخلاف حول تقاسم السلطة والمصالح الحزبية. فالخلافات الداخلية لا تؤدي إلا إلى إضعاف الجبهة السياسية للإقليم. من «القلعة الصفراء والخضراء» إلى الطاولة المستديرة لقد تسبب الصراع بين الحزبين في حالة من الجمود السياسي والاقتصادي داخل الإقليم، وأصبح استمرار الخلاف ينعكس بصورة مباشرة على الملفات التي تحتاج إلى قرارات عاجلة. أما منصب رئيس الجمهورية، فإن شاغله، بمجرد انتخابه، ينزع عنه ثوبه الحزبي والقومي، ويرتدي الثوب الوطني، ليصبح رئيسًا لكل العراقيين، من زاخو إلى الفاو، ومن حلبجة إلى الفلوجة. ومن هنا، فإن التفكير في بناء القلاع والحصون، لم يعد هو الطريق المناسب لإدارة المرحلة. فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من المتاريس السياسية، ولا يحتاج الإقليم إلى جدران جديدة بين أبنائه. إن الحل الأمثل هو الجلوس حول الطاولة المستديرة، والاعتراف بأن الاختلاف السياسي أمر طبيعي في الديمقراطية، لكن تحويله إلى صراع دائم يضر بالجميع.
الرابح الحقيقي هو من يستطيع تحويل الخلاف إلى تفاهم، والمنافسة إلى شراكة، والسلطة إلى وسيلة لخدمة الناس، لا إلى قلعة يحاول الاستيلاء عليها.