الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السقوط الناعم

بواسطة azzaman

السقوط الناعم

زيد علي الشمري

 

كان هناك شركتان كبيرتان لصناعة السيارات تسيطران على السوق.

لكن مع مرور الوقت بدأت إحدى الشركتين تتقدم بصورة منتظمة؛ فقد كانت سياراتها أكثر جودة واعتمادية، وتتمتع بمواصفات أمان أفضل، وتواكب المعايير الدولية.

أما الشركة الأخرى، فبدأت تشعر بأن خسارتها لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل مسألة وقت.

حاول مجلس إدارتها مواجهة الخطر بالطريقة التقليدية: مزيد من المواصفات، وامتيازات إضافية، وأسعار أكثر جذبًا. لكن شيئًا لم يتغير. كانت المشكلة أعمق من مجرد مواصفات أو أسعار.

وفي لحظة بدا فيها مجلس الإدارة عاجزًا عن إيجاد مخرج، ظهر رجل ادعى أنه يستطيع إنقاذ الشركة. طلب أن يصبح مديرًا تنفيذيًا بصلاحيات واسعة، ووعدهم بأنه لن ينقذ الشركة فحسب، بل سيجعل منافسهم يفقد صدارة السوق.

وافق المجلس، رغم اعتراض بعض أعضائه.

كان أول قرار له غريبًا.

اجتمع بعدد من الصحفيين ورؤساء تحرير المجلات المتخصصة في عالم السيارات، وطلب منهم أن يسلطوا الضوء على منافستهم، وأن يكرروا في الإعلام أن الشركة المنافسة تمتلك أفضل المهندسين والمصممين والفنيين، وأن نجاحها لم يكن مفاجئًا، وأنها أصبحت نموذجًا يصعب منافسته.

استغرب أعضاء مجلس الإدارة.

قال أحدهم:

«نحن نخسر السوق، وأنت تنفق المال لتمجيد منافسنا؟»

ابتسم المدير التنفيذي وقال:

«اتركوا الأمر لي... وانتظروا النتائج

مرت الأشهر.

استمرت وسائل الإعلام في الحديث عن تفوق الشركة المنافسة، وبدأت صورتها تكبر أكثر فأكثر. أصبحت في نظر السوق الشركة التي تمتلك أفضل العقول والخبرات والكفاءات.

وهنا حدث ما كان المدير التنفيذي ينتظره.

بدأ موظفو الشركة المنافسة يشعرون بأن قيمتهم ارتفعت. بدأت المطالبات بزيادة الرواتب والمكافآت، وبدأ بعض أصحاب الكفاءات يتلقون عروضًا مالية مغرية من الشركات الأخرى.

لكن إدارة الشركة، وقد أصابها شعور متزايد بالقوة والغرور، لم تدرك الخطر.

قال بعض أعضاء مجلس الإدارة:

«نحن الشركة الأولى في السوق، فلماذا ندفع المزيد؟»

بدأت الكفاءات تغادر واحدة تلو الأخرى.

ومع رحيل أصحاب الخبرة، بدأت جودة الإنتاج تتراجع بصورة بطيئة. في البداية لم يلاحظ المستهلك شيئًا، ثم بدأت الفروق تظهر: أعطال أكثر، جودة أقل، وخدمة لا تشبه ما اعتاد عليه.

عندها جاء القرار الثاني.

طلب المدير التنفيذي من الإعلام أن يغيّر اتجاهه، وأن يبدأ الحديث عن تراجع جودة سيارات الشركة المنافسة.

بدأت حملة واسعة.

لكن هذه المرة لم يكن الإعلام وحده هو الذي يتحدث.

المستهلك نفسه بدأ يلاحظ التراجع.

وهكذا تحولت الدعاية إلى حقيقة؛ لأن الشركة المنافسة كانت قد خسرت بالفعل جزءًا من أهم ما كانت تملكه: العقول التي صنعت نجاحها.

لم يكن المدير التنفيذي قد هزم منافسه بالقوة، ولا بتقديم سيارة أفضل في اليوم الأول.

لقد فعل شيئًا أكثر دهاءً:

جعل خصمه يصدق أنه لا يُهزم.

وحين صدق ذلك، بدأ يتوقف عن التطور.

هذه الحكاية، سواء نظرنا إليها كقصة في عالم الأعمال أو كاستعارة سياسية، تحمل درسًا يتجاوز السيارات والشركات.

في السياسة أيضًا، قد لا يحاول خصمك دائمًا إسقاطك مباشرة.

أحيانًا يمنحك الشعور بأنك انتصرت.

يمدحك.

يصفك بأنك الأقوى.

يخبرك أنك لا تحتاج إلى تغيير شيء.

يجعلك تسمع ما تحب أن تسمعه حتى تبدأ بتصديق روايتك عن نفسك.

ثم يبدأ أخطر شيء:

الغرور.

بعد الغرور يأتي الاطمئنان.

وبعد الاطمئنان يتوقف التعلم، وتضعف المراجعة، وتغادر الكفاءات، وتتكرر الأخطاء، ويصبح الماضي مبررًا لعدم التغيير.

وهنا قد يكون العدو الحقيقي ليس منافسك، بل وهم انتصارك عليه.

فليس كل من يمدحك صديقًا، وليس كل من يقول لك إنك انتصرت يريد لك أن تستمر في الانتصار.

أحيانًا أخطر هزيمة تبدأ بجملة تبدو جميلة:

«لقد انتصرنا

**

اكتب كمن يلقي حجرا ليحرك سكون العقول


مشاهدات 63
الكاتب زيد علي الشمري
أضيف 2026/09/12 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/09/13 - 2:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 187 الشهر 20759 الكلي 16553279
الوقت الآن
الأحد 2026/9/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير