ترامب وإيران .. حين تصبح الحرب قضية أمريكية
محمد علي الحيدري
لم تعد الحرب مع إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة مجرد ملف في السياسة الخارجية، بل تحولت إلى قضية داخلية تمس أسعار الوقود والتضخم والانتخابات ومستقبل الرئيس دونالد ترامب. وهذه هي المفارقة الأبرز في حرب دخلها ترامب وهو يرفع شعار تجنب الحروب الطويلة، ليجد نفسه أمام مواجهة مفتوحة لا تبدو لها حتى الآن نهاية سياسية واضحة.
فالحرب التي بدأت باعتبارها مواجهة مع تهديد إيراني للأمن الإقليمي والدولي، أصبحت تحمل كلفة مباشرة على الأميركيين. اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط يضغطان على تكاليف النقل والإنتاج والمعيشة، فيما تجد الإدارة نفسها مطالبة باحتواء آثار الحرب على الاقتصاد. وهنا تتحول التطورات العسكرية في الشرق الأوسط إلى عامل يؤثر في حياة الناخب الأميركي وقراره السياسي.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. فالجمهوريون يدركون أن الحرب قد تتحول من عنصر قوة للرئيس إلى عبء على مرشحي الحزب. وكلما طال القتال وارتفعت الأسعار، أصبح من الصعب إبقاء النقاش محصوراً في الأمن القومي. الناخب الذي يدفع أكثر في محطة الوقود أو في تكاليف النقل لا ينظر إلى مضيق هرمز باعتباره نقطة استراتيجية على خريطة الشرق الأوسط، بل باعتباره جزءاً من ميزانية أسرته.
تسوية سياسية
لكن المعضلة الأعمق تتعلق بالسؤال الذي يرافق كل حرب أميركية: كيف تنتهي؟
تستطيع واشنطن تحقيق تفوق عسكري وإلحاق أضرار كبيرة بالقدرات الإيرانية، لكن النجاح العسكري لا يعني بالضرورة تسوية سياسية. فإذا كان الهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فما الشروط التي تسمح بإعلان تحقق الهدف؟ وإذا كان المقصود إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، فما الترتيب السياسي الذي تريده واشنطن بعد توقف القتال؟ وإذا كانت حماية الملاحة والمصالح الأميركية هي الأولوية، فإلى متى يمكن تحمل كلفة الانتشار العسكري؟
هذه الأسئلة تستعيد، وإن بصورة مختلفة، دروس العراق وأفغانستان. ليس لأن إيران تشبه العراق أو أفغانستان، فالفوارق كبيرة، وإنما لأن التجربة الأميركية خلال ربع القرن الأخير أظهرت أن تحديد بداية الحرب أسهل كثيراً من تحديد نهايتها. وقد تكون هذه هي النقطة الأكثر حساسية في تجربة ترامب الحالية: رئيس جاء إلى السلطة منتقداً الحروب التي لا تنتهي، يجد نفسه أمام حرب قد تصبح هي الأخرى اختباراً لقدرته على معرفة متى تنتهي القوة العسكرية وتبدأ السياسة.
وتزداد حساسية المسألة مع اقتراب الانتخابات. فالحرب لم تعد منفصلة عن الحسابات الانتخابية، كما أن الانتخابات نفسها أصبحت جزءاً من حسابات الحرب. وإذا خسر الجمهوريون أحد مجلسي الكونغرس، فقد تصبح قدرة ترامب على مواصلة سياسته الخارجية أكثر تقييداً، ويتحول النقاش حول الحرب إلى جزء من الصراع على مستقبل ولايته.
أما الشرق الأوسط، فإن آثار الحرب تتجاوز المواجهة الأميركية الإيرانية. فاستمرار الاضطراب في الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر يهدد الاقتصاد العالمي، ويضع حلفاء واشنطن أمام حسابات أمنية واقتصادية جديدة، ويجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً.
لذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى ترامب لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة كسب الحرب؟ بل: هل تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي. فالقوة الأميركية قادرة على تغيير ميزان المعركة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن شكل اليوم التالي. وإذا طال أمد الحرب وارتفعت كلفتها، فلن يبقى مستقبلها قراراً يخص البيت الأبيض والبنتاغون وحدهما، بل سيصبح قضية يقررها الناخب الأميركي أيضاً.
عندها تكون حرب إيران قد تجاوزت حدود الشرق الأوسط، وأصبحت حرباً أميركية بكل معنى الكلمة.