حين صافح دجلةُ الراين.. والتقت برلين ببغداد
بين مدينتين ولدت حكاية لاتعترف بالمسافات
نجاح الحبوبي
هناك، في قلب ألمانيا، تقف برلين؛ مدينة عرفت كيف تنهض من بين رماد التاريخ، وكيف تحول الجدار الذي كان يومًا رمزًا للانقسام إلى جسرٍ للحرية والأمل. وهنا، في قلب العراق، تستيقظ بغداد كل صباح على ضفاف دجلة، المدينة التي عرفت منذ قرون كيف تجعل من العلم والشعر والحضارة لغةً يتحدث بها العالم.
وبين برلين وبغداد، كان نهران يكتبان حكايتهما بصمت.
الراين في ألمانيا، ودجلة في العراق.
كان الراين يقول لدجلة:
- يا صديقي البعيد، ماذا ترى على ضفافك؟
□ فيجيبه دجلة:
— أرى بغداد... مدينةً لا تشبه المدن. أرى النخيل وهو ينحني للماء، والجسور وهي تعبر النهر كأنها أذرع تمتد نحو المستقبل، وأرى شعبًا يريد أن يبني غده بيديه.
فيبتسم الراين ويقول:
— وأنا أرى برلين... مدينة تعلمت أن المستقبل لا يولد من نسيان الماضي، بل من تحويله إلى درس.
ومن هنا بدأت الحكاية.
لم تعد برلين مجرد مدينة بعيدة في أوروبا، ولم تعد بغداد مجرد مدينة شرقية على ضفاف دجلة.
أصبحتا مدينتين تتبادلان الأحلام.
من برلين إلى بغداد يمكن أن تعبر الأفكار قبل أن تعبر القطارات والطائرات؛ أفكار المدن الحديثة، والتخطيط الحضري، والطاقة النظيفة، والنقل الذكي، والمساحات الخضراء، وحماية الأنهار، والمشاريع التي تجعل الإنسان في قلب المدينة.
وما أجمل أن تصل روح تلك المشاريع يومًا إلى ضفاف دجلة...
أن نرى بغداد أكثر اخضرارًا، وجسورها أكثر جمالًا، وضفاف دجلة أكثر قربًا من الناس؛ حدائق وممرات ومقاهٍ ومساحات ثقافية، ومشاريع تجعل النهر ليس مجرد ماء يعبر المدينة، بل قلبًا نابضًا بالحياة.
تخيلوا بغداد في مساء ربيعي...
أضواء هادئة تنعكس على دجلة، أشجار تمتد على الضفاف، دراجات تسير بمحاذاة الماء، شباب يجلسون يتحدثون عن المستقبل، وموسيقى بعيدة تختلط بصوت النهر.
وفي مكان آخر، في برلين، يواصل نهر المدينة رحلته، وكأن الراين يرسل رسالة إلى دجلة:
- هل وصلتكم الحكاية؟
□ فيجيبه دجلة:
— نعم... وصلت، لكننا لا نريد أن نقلد برلين، بل نريد أن نتعلم منها، ثم نصنع بغداد بطريقتنا العراقية.
وهنا تكمن أجمل فكرة في الحكاية.
فالتعاون بين ألمانيا والعراق ليس أن تصبح بغداد نسخة من برلين، ولا أن تتخلى مدينة عن هويتها من أجل أخرى.
بل أن تلتقي الخبرة الألمانية مع الروح العراقية.
أن تلتقي هندسة برلين بذاكرة بغداد.
أن تلتقي دقة المشروع الألماني بكرم الإنسان العراقي.
أن تلتقي التكنولوجيا التي تصنع المستقبل بحضارة صنعت الماضي.
وعندما تلتقي هذه الأشياء، لا يعود الطريق بين برلين وبغداد طويلًا.
فالطائرة تختصر المسافة في ساعات، لكن الثقافة تختصرها في لحظة.
وفي النهاية، بقي الراين ودجلة يتحدثان.
قال الراين:
- ماذا تتمنى لبغداد؟
□ قال دجلة:
— أتمنى أن يأتي يوم تصبح فيه ضفاف بغداد مكانًا يحلم الناس بزيارته، كما يحلمون بزيارة أجمل مدن العالم.
فسأله الراين:
-وماذا تتمنى لألمانيا؟
أجاب دجلة:
— أن تبقى ألمانيا كما عرفناها... بلدًا يفتح أبوابه للعلم، والحوار، والثقافة، والشراكة.
ثم أضاف:
— وأتمنى أن يبقى بين برلين وبغداد جسر لا تهدمه المسافات.
وفي تلك اللحظة، انعكس ضوء القمر على مياه دجلة، وكأن النهر كان يبتسم.
وربما، في مكان بعيد، كان الراين يبتسم أيضًا.
لأن النهرين يعرفان سرًا لا تعرفه الخرائط:
أن المدن قد تكون بعيدة، وأن الأنهار قد لا تلتقي، لكن الشعوب تستطيع أن تصنع بينها نهرًا ثالثًا... اسمه الصداقة.
ومن برلين إلى بغداد، ومن الراين إلى دجلة، تبقى الحكاية مفتوحة...
حكاية بلدين، ومدينتين، ونهرين، ومستقبل يمكن أن يبدأ بفكرة... ثم يصل ذات يوم إلى ضفاف دجلة.
□ مذيعة في قناة العراقية