الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لهمود مزعل آل حميدة.. سيرة شيخ وإرث وطن

بواسطة azzaman

لهمود مزعل آل حميدة.. سيرة شيخ وإرث وطن

‏ ابراهيم المحجوب

 

‏ودّع العراق قبل أيام واحداً من أعمدته العشائرية والوطنية، الشيخ لهمود مزعل آل حميدة، شيخ عام قبيلة بني ركاب التغلبية في العراق، الذي رحل عن عمر ناهز السادسة والتسعين عاماً، بعد مسيرة طويلة ارتبط خلالها اسمه بتاريخ القبيلة ومواقفها العشائرية والاجتماعية والوطنية. ولم يكن رحيل الشيخ لهمود مجرد فقدان لشخصية عشائرية بارزة، بل كان غياباً لرجل حمل إرث أسرة ارتبط اسمها بمشيخة بني ركاب وبصفحات مهمة من تاريخ العراق الحديث.

‏ينحدر الشيخ لهمود من أسرة عريقة في مشيخة بني ركاب، فهو نجل الشيخ مزعل آل حميدة، أحد رجالات القبيلة الذين ارتبط اسمهم بتاريخ العراق الوطني، ولا سيما بثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، ثم بموقفه في قيادة ثورة بني ركاب عام 1936، التي اندلعت احتجاجاً على إبعاده من المجلس النيابي، قبل أن تنتهي باستجابة الحكومة لمطالبه. ومن هنا فإن الشيخ لهمود لم يكن يحمل اسماً عشائرياً فحسب، وإنما كان يحمل إرثاً تاريخياً عريقاً انتقل إليه من الآباء والأجداد، وظل حاضراً في شخصيته ومكانته ومواقفه بين أبناء قبيلته والعشائر العراقية.

‏ما أجملك أيها العراق حتى في أحزانك.. ففي لحظات الفقد تتجلى أجمل صور هذا الشعب، حين يجتمع أبناؤه من مختلف المناطق والعشائر لتشييع أحد كبار رجاله. وكأن العراقيين في مثل هذه المناسبات يعلنون للعالم أن اللُّحمة الوطنية والعشائرية ما زالت حاضرة، وأن النخوة العربية الأصيلة ما زالت تسكن وجدان هذا الشعب، وأن الروابط الاجتماعية التي صنعتها السنين والمواقف لم تستطع الظروف الصعبة أن تمحوها من ذاكرة العراقيين.

‏وقد عُرف الشيخ لهمود خلال حياته بحضوره في الشأن العشائري والاجتماعي، وبما تركه من مواقف وعلاقات بين شيوخ ووجهاء العشائر العراقية، فكان امتداداً لمسيرة أسرته في الحفاظ على مكانة مشيخة بني ركاب، وعلى القيم التي قامت عليها الزعامة العشائرية من احترام الناس، والوفاء بالعهد، والوقوف إلى جانب أبناء القبيلة، والحضور في المناسبات والمواقف التي تحتاج إلى كلمة الشيخ وموقفه.

‏ورحل الشيخ لهمود صباح الاثنين 10 آب 2026 في مستشفى الرفاعي العام، بعد معاناة مع أمراض الشيخوخة، عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً عشائرياً وتاريخاً وطنياً وسيرةً امتدت لعقود طويلة. وقد أعلن نجله الشيخ ظافر  خبر وفاته، فيما أقيم مجلس الفاتحة في قرية الشيخ شلاكة آل مزعل في قضاء الرفاعي..محافظة ذي قار، وسط حضور واسع من شيوخ ووجهاء العشائر وأبناء القبيلة ومحبي الراحل.

مراسم تقليدية

‏ولم يكن تشييع الشيخ لهمود ومجلس عزائه مجرد مراسم تقليدية لوداع رجل رحل عن الدنيا، بل كانا مشهداً عراقياً وإنسانياً كبيراً، تجسدت فيه معاني الوفاء والكرم والطيبة والأخلاق والنخوة. فقد اجتمع شيوخ العشائر ووجهاؤها وأبناء المجتمع ليقولوا إن الرجل الذي عاش بين الناس وترك أثراً في حياتهم، يستحق أن يودع بما يليق بمكانته وسيرته.‏وقد تحدث كثيرون عن مواقف الراحل، واستذكروا حضوره ومكانته.وأشاروا  إلى أن الراحل ترك في المواقف سيرة، وفي الرجال أثراً، وفي القبيلة اسماً لا يُنسى.‏ومن أكثر المشاهد الإنسانية تأثيراً في رحيل الشيخ لهمود، تلك اللحظات التي ظهر فيها نجله وخليفته في مشيخة القبيلة، الشيخ ظافر، وهو يودع والده وقد انهمرت الدموع من عينيه. كانت لحظة تختصر الكثير من الكلام؛ فهي دموع ابن فقد والده، ودموع شيخ يقف أمام إرث كبير تركه أبوه، ودموع رجل يدرك أن رحيل الأب يعني بداية مرحلة جديدة من المسؤولية، وأن عليه أن يحمل الأمانة ويواصل الطريق الذي سار فيه الآباء والأجداد. خاصة وانه من الرجال الصابرين المكافحين للابتلاء والمرض.. ولم تكن تلك الدموع مجرد تعبير عن حزن شخصي، بل بدت وكأنها تحمل حزن قبيلة بأكملها، وحزن كل من عرف الشيخ لهمود وأدرك مكانته. ففي بعض الشخصيات لا يكون الرحيل شأناً عائلياً محدوداً، لأن الرجل الذي عاش عمره بين الناس يصبح جزءاً من ذاكرتهم، وعندما يرحل يشعر الكثيرون أن شيئاً من تاريخهم قد رحل معه.

‏لقد أظهرت مناسبة رحيل الشيخ لهمود جانباً آخر من العراق. عراق الوفاء، وعراق النخوة، وعراق الوقوف إلى جانب أبناء العشيرة والمجتمع في الأفراح والأحزان. وربما كانت هذه المشاهد رسالة إلى العالم بأن العراق، رغم كل ما مر به من ظروف وأحداث، ما زال يحتفظ بقيم اجتماعية وإنسانية أصيلة، وما زالت فيه العشيرة بما تمثله من روابط اجتماعية حاضرة في لحظات الشدة، وما زالت كلمة الوفاء تجمع الناس عندما يغيب أحد كبارهم.

‏لقد رحل الشيخ لهمود مزعل آل حميدة، لكنه لم يرحل عن ذاكرة قبيلته ولا عن ذاكرة من عرفه؛ فقد ترك خلفه اسماً ارتبط بمشيخة بني ركاب، وإرثاً عائلياً امتد من جيل إلى جيل، وذاكرةً ستبقى مرتبطة بتاريخ أسرة كان لها حضور في أحداث العراق منذ ثورة العشرين وما بعدها.

‏وهكذا فإن الحديث عن الشيخ لهمود مزعل آل حميدة ليس حديثاً عن رجل عاش ستة وتسعين عاماً ثم غادر الحياة، وإنما هو حديث عن مرحلة من تاريخ العشيرة والمجتمع العراقي، وعن أسرة ارتبط اسمها بالمشيخة والمواقف الوطنية، وعن رجل حمل مسؤولية تلك المكانة حتى في رحيله.

‏وإذا كان الموت نهاية عمر الإنسان، فإنه لا يستطيع أن يكون نهاية سيرته؛ فالرجال الذين يتركون أثراً في حياة الناس تبقى أسماؤهم حاضرة في الذاكرة. والشيخ لهمود واحد من أولئك الذين تركوا وراءهم إرثاً تتناقله الأجيال، وستبقى سيرته شاهدة على أن قيمة الرجل لا تقاس بعدد سنوات عمره، وإنما بما تركه من أثر في أهله وقبيلته ومجتمعه ووطنه.

‏رحم الله الشيخ لهمود مزعل آل حميدة، وألهم أهله وقبيلته ومحبيه الصبر والسلوان، وحفظ للعراق رجاله وأصالته وقيمه التي بقيت حاضرة في أفراحه واحزانه.

تحمل المسؤولية

‏وأن يعين ابنه الشيخ ظافر على تحمل المسؤولية، ويشفيه ويعافيه من كل الأمراض.


مشاهدات 36
الكاتب ‏ ابراهيم المحجوب
أضيف 2026/09/05 - 2:11 AM
آخر تحديث 2026/09/05 - 3:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 223 الشهر 6908 الكلي 16539428
الوقت الآن
السبت 2026/9/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير