إستقراء الجوانب الإيجابية والسلبية
الذكاء الإصطناعي مرحلة رابعة في التطور الحضاري
همام الشريفي
مقدمة:
منذ أواخر القرن الثامن عشر ارتفع مؤشر التطور الحضاري في حياة الإنسان بشكل متسارع جدا لم تشهده المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ، وصاحب ذلك انفجارا سكانيا مع تقدم إمكانية الإنسان في مقاومة الأمراض والتكيف مع التقلبات المناخية وزيادة الإنتاج الغذائي والقائمة تطول. يمكن تعريف مراحل التطور كالاتي:
المرحلة الأولى (المكننة): اعتمدت على الطاقة المائية والبخارية في أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر في مجالات النقل والتجارة والزراعة وتعتبر مرحلة مهمة في مغادرة الجهد العضلي للإنسان والحيوان المدجن باتجاه توظيف موارد الطبيعة.
المرحلة الثانية (الطاقة الكهربائية والإنتاج الكمي المتكرر): ارتكزت على الكهرباء كطاقة مبتكرة جديدة تغذي خطوط الإنتاج للتجميع النمطي والتشكيل الصناعي في أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.
المرحلة الثالثة (الحاسوبيات): عُرفت بالثورة الرقمية وقد وفرت أجهزة الكمبيوتر جنبا إلى جنب مع الشبكة العنكبوتية إمكانيات هائلة في تخزين المعلومات وإعادة إظهارها واستخدامها في أواخر القرن العشرين.
المرحلة الرابعة (الذكاء الاصطناعي والأنظمة الساندة): مع بداية الألفية الثالثة اعتمدت هذه المرحلة على الذكاء الاصطناعي في تخزين البيانات المعقدة والمتقاطعة لإعادة تغذيتها بصيغ مبتكرة إلى أنظمة التشخيص والتعريف والسيطرة والتحكم والروبوتات لاغراض الاتقان والسرعة الفائقة في الإنتاج الصناعي والعلمي والطبي والأكاديمي والفني والهندسي والإعلامي مع اتخاذ قرارات تنفيذية موازية او مكافئة لقرارات الإنسان المتخصص والخبير.
ما يهمنا هنا هو استقراء المستقبل لما سيقدمه الذكاء الاصطناعي للحضارة البشرية والفاتورة التي على الإنسان دفعها مقابل هذا الاستخدام. من المؤكد ان ادعاء إمكانية التنبؤ بامكانيات الذكاء الاصطناعي هو ادعاء باطل ويشبه إلى حد كبير محدودية إدراكنا لاهمية الحواسيب الشخصية منذ انتشار النوع التجاري الاول «كَنباك - 1) في عام 1971.
اعادة تشكيل مناهج الجامعات
لقد جاء الزمن الذي أصبحت فيه إمكانيات الذكاء الاصطناعي مرافقة لدراسة طلبة الجامعات في مجال تبني «الادوات الفعالة» في التعلم على مستوى الاستدلال على المعلومة ومن ثم تحليلها وتطويرها واستقراء تطبيقاتها في المستقبل. لقد اصبح دور الجامعات الرئيسي هو تشكيل عقلية تواكب التطور الرقمي بما يقود إلى انتقاء واستكشاف المفردات المعرفية المطابقة لكل موضوع بحثي.
لقد ذهب زمن اعادة اجترار المواضيع الأكاديمية السابقة لتكرار تدويرها بصيغ جديدة كما هو الأمر في الجامعات التجارية التي تمنح شهادات ورقية لا قيمة لها.
لقد بدأت تدرك الجامعات المرموقة والرصينة ان الذكاء الاصطناعي اصبح «جسرا معرفيا» لا يمكن الاستغناء عنه بين المناهج الأكاديمية من جهة والتطورات السريعة في البحوث المختبرية والتطبيقات الصناعية والمسوحات الحقلية والتشريعات القانونية من جهة أخرى.
اعادة تعريف صيغ الرعاية الصحية:
لقد دخل الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ بأعداد المرضى وحسب التوقيتات اليومية ونسب انتشار الاوبئة والأمراض الموسمية، مع تحديث استراتيجيات استخدام اجهزة التشخيص الطبي المبكر وتفعيل حملات التطعيم الاستباقية وتوظيف الروبوتات في مجالات توزيع المواد الصيدلانيّة وتنظيم التحاليل المختبرية وتنظيم إقامة المرضى بحسب مراحل التشخيص والعلاج والتطبيب بين المستشفيات التخصصية ذات الكلف التشغيلية العالية ومراكز الرعاية الاجتماعية ذات الكلف التشغيلية المحدودة.
من المناسب ان نذكر ان أقسام الطوارئ بدأت تتسابق مع بقية الأقسام العلاجية والتشخيصية في استخدام برامجيات الذكاء الاصطناعي التي تساعد الكوادر الطبية والتمريضية في تحليل أعراض المرضى الظاهرة بأسلوب تسقيط «الاحتمالات المرضية» لغرض إعطاء ادق أنواع التشخيص السريع في دقائق معدودة حفاظاً على ارواح المرضى الذين يدخلون المستشفى بدون سجلات طبية او كونهم فاقدي الوعي بسبب حوادث مؤسفة او بدون أقارب ومرافقين.
استخدامات الذكاء الاصطناعي
حاليا تقوم وزارة الصحة البريطانية باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد التطبيق المناسب على هاتف كل مريض مسجل مع هيئة الصحة الوطنية، وبهذا دخلت الإدارة الصحية مرحلة جديدة لم تكن في تصور الكثير من الخبراء قبل أعوام معدودة. في التحاليل المختبرية لعينات الدم والإدرار واللعاب لم يعد التداول اليدوي مطبقا في المستشفيات البريطانية، حيث ان مختبرات المايكروبايولوجي أصبحت معتمدة على روبوتات مغلقة يتم تغذيتها بالعينة لتستخرج النتائج الرقمية بسرعة قياسية دون المخاطرة بانتقال العدوى الفايروسية والبكتيرية إلى الكوادر العاملة. انه عالم رقمي جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي المبتكر.
تستخدم جامعة أكسفورد البريطانية الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف في أبحاث وتصميم اللقاحات، وإن كانت هذه التقنية تُطبَّق في المقام الأول على مراحل الاكتشاف والاختبارات الأولية، وليس على التصنيع الفعلي للجرعات.
أصبحت الأنظمة الروبوتية واسعة النطاق معياراً متبعاً في معظم صيدليات المستشفيات الكبرى في المملكة المتحدة بحيث تقوم هذه الأنظمة بتخزين عشرات الآلاف من عبوات الأدوية، وتستخدم تقنية مسح الرموز الشريطية (الباركود) للاسترجاع الآلي، كما تنقل الأدوية عبر أحزمة ناقلة إلى الصيادلة، مما يقلل بشكل كبير من الوقت المستغرق في صرف الأدوية ومن معدلات الخطأ.
اعادة تشفير الأنظمة المالية
في الاقتصاديات المتقدمة، تقوم مؤسسات وبنوك عالمية كبيرة باستثمار «محافظ التقاعد» لإحراز نمو يفوق التضخم السنوي. في هذا المجال دخل الذكاء الاصطناعي كاداة مساعدة في عمليات الاستثمار في البورصات العالمية. ولكن يبدو ان هذه الأداة محدودة القدرة في تحليل المعلومات والتنبؤ المبكر أمام التغيرات الجيوسياسية (نتيجة قرارات سياسية بشرية) . والكوارث الطبيعية (نتيجة الاهتزازات الأرضية وتقلبات المناخ). في هذا الصدد تشهد الأسواق والبورصات العالمية تذبذبات كبيرة تتجاوز قدرة الذكاء الاصطناعي في التنبؤ او إنقاذ سوق الأوراق المالية.
لا يخفى على احد قوة الذكاء الاصطناعي في مجال التسويق على منصات وسائل التواصل الاجتماعي حيث يستخدم نظم المراقبة الشخصية لتصفح الإنترنت مع تعقب كل التعاملات الرقمية للفرد من خلال لوغاريتمات معقدة في منظومة رقابية صارمة تسمى اصطلاحا «الأخ الكبير» للتعبير عن مساحة الرصد التي تُفرض على تصرفاتنا واختياراتنا على الإنترنت.
مخاطر الذكاء الاصطناعي الصريحة والمخفية:
يشعر العالم الغربي بتعاظم مخاطر هذا الذكاء نتيجة استخداماته في مجالات الاختراق السيبراني والتجسس الصناعي وكشف خصوصيات الشخصيات العامة والخاصة وتنفيذ العمليات الاستخباراتية وتهديد البنى التحتية. لذلك هناك جهود علمية كبيرة تبذل على المستويات المهنية والأكاديمية لتقييد استخداماته وتأمين المنظومات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والصحية والتعليمية ببرامجيات التصدي السيبراني.
لقد صرح رئيس الوزراء الاسبق السير توني بلير بأن الذكاء الاصطناعي «ينطوي على جوانب إيجابية للغاية، ولكنه قد ينطوي أيضاً على مخاطر جسيمة للغاية». وحذّر من أن هذه التكنولوجيا تحمل مخاطر هائلة، تشمل تسهيل حملات التضليل واسعة النطاق، وإنشاء مقاطع «التزييف العميق»، واحتمالية استغلالها من قبل جهات خبيثة لتطوير أسلحة للإرهاب البيولوجي.
ان هذا التصريح بحد ذاته يدعو المجتمع الدولي للبدأ بسن قوانين جديدة ومبتكرة تقيد استخدامات الذكاء الاصطناعي التي تدخل في تشكيل العقل الجمعي للشعوب بما يخص الايديولوجيات وتدخل في التوازنات النفسية للأفراد وتؤثر في القيم الأخلاقية للمجتمعات. والأدهى من ذلك كله هو ان الذكاء الاصطناعي قد يعطي «شعوراً مزيفاً» للجيل الناشئ كونه قد ألم بأطراف المعرفة وامتداداتها وأنه لا يحتاج إلى وصاية جيل الخبراء من المسنين كون الأخير لا يجيد التعامل مع المعلومات الرقمية او الذكاء الاصطناعي بنفس كفاءة الشباب.
الخلاصة:
من النتائج الملموسة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في وسائل التواصل الإعلامي وخصوصا في المجتمعات الغربية هو الفصل الاجتماعي العميق بين الفئات العمرية ومحاولات إعادة تعريف الفضائل والرذائل في المنظور الأخلاقي بما ينذر بأزمات مستقبلية كبيرة.
من الخطأ جدا ان يتصور احدنا ان مراحل تطور الإنسان عقليا وجسديا تمر بخطوط مستقيمة محددة وذات أهداف مشخصة مبكراً. ان وجود التناقضات في الحياة وتقاطعات الأحداث العامة والخاصة والفرص غير المحسوبة واحتمالات الكوارث الطبيعية والتقلبات المناخية والنزاعات الجيوسياسية هي ركائز أصيلة في مسيرة الإنسان ولا يمكن للذكاء الاصطناعي ان يساعده في اتخاذ القرارات التنفيذية المناسبة في كل مرحلة من هذه المراحل. ان خبرات الحياة لا يمكن أن تدوّن في كتب توفر وصفة جاهزة للتكيّف مع تحديات الحياة بل إنها معلومات مختزنة في ذاكرة جيل المسنين من الرواد حصراً وعلى الجيل الناشئ اكتساب هذه الخبرات في مجالات العمل والإنتاج والتخطيط الاستراتيجي والتشريع القانوني. بالخلاصة ان جيل المسنين يحمل «معارف مبطنة» ومنها الصبر على تقلبات الحياة والاستمتاع بأعمال الخير الطوعية والتضحية في سبيل الأسرة وهذه لا يمكن قراءتها في الكتب العلمية او الفلسفية او الأدبية لان الأخيرة تدون فقط «المعارف الظاهرة».