الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لا تخجل من جذورك... فالقمم الحقيقية لا تنكر الأرض التي أنبتتها

بواسطة azzaman

لا تخجل من جذورك... فالقمم الحقيقية لا تنكر الأرض التي أنبتتها

عباس التميمي

 

هناك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن الإنسان يستطيع أن يغيّر بيته، ووظيفته، وملابسه، وحتى البيئة التي يعيش فيها، لكنه يعجز عن تغيير جذوره مهما حاول، لأن الجذور ليست مكانًا يسكنه الإنسان، بل هي المكان الذي يسكن الإنسان في أعماقه، إنها الذاكرة الأولى، والوجوه التي صنعت ابتسامته، واليد التي أمسكت بيده يوم كان ضعيفًا، والبيت الذي احتضنه حين لم يكن يملك شيئًا سوى الأحلام.

    وليس العيب أن يتغير مستوى الإنسان، فالزمن خُلق ليغيّر الأحوال، والنجاح نعمة يسعى إليها الجميع، لكن العيب أن يتحول النجاح إلى قطيعة، وأن يصبح الارتقاء سببًا لنسيان اليد التي أمسكت بنا أول مرة، والبيت الذي احتوانا، والوجوه التي آمنت بنا يوم لم يكن أحد يلتفت إلينا، فالجذور ليست ذكرى عابرة، بل هي هوية، ومن يخجل من هويته لن تمنحه القمم احترامًا، مهما بلغ ارتفاعه.

    ولكننا في هذا الزمن نشهد ظاهرة مؤلمة، تتمثل في أن بعض الناس، ما إن تتغير أحوالهم، أو يتسلقوا درجات السلطة، أو تتسع تجارتهم، أو تحيط بهم الأضواء، حتى يبدأوا بقطع الخيوط التي تربطهم بماضيهم، وكأن الماضي أصبح تهمة يجب التخلص منها، لا تاريخًا ينبغي الاعتزاز به.

   فإن أخطر أشكال الفقر ليس فقر المال، وإنما فقر الوفاء، لأن المال قد يشتري القصور، لكنه لا يستطيع شراء الانتماء، وقد يجمع حول الإنسان الحاشية، لكنه لا يصنع له أسرة، وقد يجلب له المصفقين، لكنه لا يعيد إليه قلبًا فقد إنسانيته.

  لقد ولد الإنسان بسيطًا، يعيش في بيت متواضع، ويأكل مما يتيسر، ويلبس ما يستطيع، ويتعامل مع أدوات بسيطة لا تعرف التعقيد كانت العلاقات يومها صادقة، وكان الجار أخًا، والقريب سندًا، وكانت الأم ترى في نجاح ابنها نجاحًا لها، وكان الأب يختصر حياته كلها في ابتسامة يراها على وجه أولاده.

     ثم تمضي السنوات، وتتغير الأحوال، ويتبدل الواقع، وهو أمر طبيعي بل مطلوب، فالتطور سنة من سنن الحياة، والنجاح هدف مشروع لكل إنسان، غير أن المشكلة لا تبدأ عندما يتغير الواقع، وإنما عندما يتغير الإنسان نفسه، فيتحول من شخص يحمل ماضيه بفخر، إلى شخص يخجل من ذلك الماضي، ويحاول محوه من ذاكرته وكأن حياته بدأت يوم امتلك المنصب أو المال أو الشهرة.

     وهنا يتحول الواقع الجديد إلى واقع ورقي، يبدو من الخارج متينًا، لكنه في داخله هش، لأن الإنسان الذي يبني مكانته على إنكار جذوره، يبقى خائفًا من الحقيقة، يخشى أن يلتقي بمن عرفه يوم كان بسيطًا، ويضيق صدره إذا ذُكّر بالأيام التي كان فيها يسير على قدميه قبل أن تحمله السيارات الفارهة.

     إن بعض الناس يظنون أن الرقي هو أن يغيّروا لهجتهم، أو يتنكروا لأصدقائهم القدامى، أو يبتعدوا عن أهلهم، أو يرفضوا استقبال أقاربهم لأنهم لا ينسجمون مع صورتهم الجديدة ، بل إن بعضهم يصل به الأمر إلى أن يشعر بالحرج من والديه أو إخوته لأنهم يذكرونه بمرحلة يريد دفنها، ناسياً أن هؤلاء هم الذين حملوه عندما لم يكن يستطيع الوقوف، وأطعموا أحلامه قبل أن يطعموا أجسادهم.

   والمؤلم أكثر أن هذا الإنسان لا يدرك أن الناس لا تنسى البدايات، فكل من عاش معه يعرف كيف بدأ، وكيف كانت ظروفه، ومن وقف إلى جانبه، ومن مد له يد العون، ولذلك فإن محاولته لإعادة كتابة تاريخه لا تغيّر الحقيقة، بل تكشف ضعف شخصيته.

    فليس العيب أن ينتقل الإنسان من الفقر إلى الغنى، أو من البساطة إلى الرفاهية، أو من الوظيفة الصغيرة إلى الموقع الكبير، فهذه نعمة تستحق الحمد والشكر، إنما العيب أن يظن أن النجاح يقتضي التنكر لمن صنعوا بدايته، وأن المكانة الجديدة تمنحه الحق في الاستعلاء على الآخرين.

 

   إن الحداثة الحقيقية لا تعني أن نتخلص من قيمنا، بل أن نضيف إلى تلك القيم وسائل جديدة للحياة، فالتكنولوجيا لا تلغي الاحترام، والتطور لا يلغي الوفاء، والمال لا يلغي الرحمة، والمنصب لا يلغي التواضع.

 فكما هو معروف من إن المجتمعات التي حافظت على قوتها لم تكن تلك التي امتلكت ناطحات السحاب فقط، وإنما تلك التي حافظت على أخلاقها وهي تبني ناطحات السحاب، فالحضارة لا تُقاس بعدد الأبراج، وإنما بعدد القلوب التي ما زالت تعرف معنى الوفاء.

    ولذلك فإن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم هو التفسخ الداخلي؛ أن يصبح منقسمًا بين ماضٍ يتبرأ منه، وحاضرٍ لا يشعر فيه بالأمان، ومستقبلٍ يبنيه على علاقات مؤقتة، سرعان ما تتلاشى عندما تتغير المصالح.

لقد أصبح بعض الناس يعيش وسط الحشود، لكنه يشعر بوحدة قاتلة، لأن العلاقات التي بُنيت على المنفعة لا تعرف الوفاء، وحين تنطفئ الأضواء، وتتراجع السلطة، أو تتبدل المناصب، يجد نفسه وحيدًا، بعدما كان يظن أن كثرة المصفقين تعني كثرة المحبين.

  وهنا تظهر الحقيقة التي غفل عنها؛ فالأب الذي ابتعد عنه سيبقى أبًا، والأم التي أهملها ستبقى تدعو له، والأخ الذي تجاهله سيبقى يتألم بصمت، أما أولئك الذين التفوا حوله لمصلحة أو منفعة، فإنهم أول من يغادره عندما تتغير الظروف.

    ولعل أجمل ما يحمله الإنسان معه في رحلة العمر ليس حسابًا مصرفيًا، ولا لقبًا وظيفيًا، ولا موكبًا من السيارات، وإنما سيرة طيبة يذكره بها الناس، ووجوه تبتسم عندما يُذكر اسمه، وقلوب تدعو له لأنه لم يتغير رغم تغير الحياة.

  لقد علمتنا الحياة أن الأشجار كلما ارتفعت نحو السماء، ازدادت جذورها عمقًا في الأرض، أما الإنسان، فإذا ارتفع وانقطعت جذوره، فإنه يصبح كغصن يابس، قد يبدو قائمًا لبعض الوقت، لكنه يسقط مع أول ريح.

 

   فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بما وصلت إليه، بل بما احتفظت به أثناء وصولك، فإذا خسرت أخلاقك، ونسيت والديك، وتنكرت لإخوتك، واستعلَيت على أصدقائك، فقد ربحت الدنيا وخسرت نفسك.

فلنجعل من تطورنا امتدادًا لجذورنا، لا قطيعة معها، ولنجعل من نجاحنا وسيلة لرد الجميل، لا مناسبة لنكران الجميل، فالإنسان الذي يحمل ماضيه باعتزاز، ويحفظ أهله وأصدقاءه، ويظل وفيًا لمن وقفوا معه في أيام العسر، هو الإنسان الذي يستحق أن يُحترم، لأن المجد الحقيقي لا يبدأ من المنصب، بل يبدأ من الأخلاق.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: عندما تتغير حياتي، هل سأظل الشخص الذي عرفه أهلي وأحبّه أصدقائي، أم سأتحول إلى نسخة جديدة لا تعرف إلا نفسها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد قيمة الإنسان، لأن الهوية ليست ما نحمله في بطاقاتنا الشخصية، وإنما ما نحمله في قلوبنا من وفاء، وما نتركه في قلوب الآخرين من أثر طيب لا تمحوه الأيام.

وأخيراً "ليس النجاح أن تغيّر عنوان منزلك، بل أن يبقى باب قلبك مفتوحًا لمن كانوا معك قبل أن تعرفك الأضواء."


مشاهدات 40
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/07/21 - 2:24 PM
آخر تحديث 2026/07/22 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 23300 الكلي 15928427
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير