خير جليس في الزمان كتاب
عماد يوسف خورشيد
بينما كنت أقرأ كتاب «أيها الولد» للعالم الجليل أبي حامد الغزالي رحمه الله، استوقفتني فقرة وردت في تقديم الكتاب من قبل محققه علي محيي الدين القره داغي، عام 1985، دار الاعتصام للنشر، القاهرة، في مبحث «آداب المتعلم والعالم» ص (81) جاء فيها: «قيل لعالم: أما تستوحش؟ فقال: وكيف أشعر بالوحشة وكل الأنس معي! فقيل: وما الأنس كله؟ قال: الكتاب».
وقد ذكَّرتني هذه العبارة بموقفٍ حدث لي عام 2019، حين كنت في مرحلة إعداد اطروحة –رسالة- الدكتوراه بكلية الحقوق، جامعة القاهرة. سألني صديق عبر اتصال من العراق: كيف هي الغربة ؟ فأجبته: لا أشعر بالغربة إلا بقدر ما أشعر بها في المطار، عند تقديم جواز السفر واستكمال إجراءات السفر القانونية. قال: كيف ذلك؟ قلت: أولًا: الشعب المصري مُرحب بالزوار والطلبة الوافدين، وتقارب الثقافة بيننا. وثانيًا: فإنني أقضي أغلب أوقاتي مع الكتب وفي المكتبات، فكانت خيرَ أُنسٍ وخيرَ جليس. ثم قال مازحًا: وما فائدة القراءة؟ قلت : كل الفائدة والنفع في الكتب. ثم تبادلنا الحديث في هذا الاطار وغيرها. ونكمل في هذا المقام ونقول:
وكيف لا يكون الكتاب النافع لك، ولمن حولك، وللإنسانية، خيرَ جليس - حين قالها المتنبي- وهو الذي يُبعدك عن كلِّ جليسِ سوء، وعن وساوس النفس الشهوانية، وعن القيل والقال، وما ينتج عنهما من مشكلات وجرائم؟ فنفسك إن لم تشغلها بالنافع والخير شغلتك بالشر وكل ضار. ومهما قلنا في وصفه وصفًا دقيقًا، فلن أبلغ ما قاله أحد الفضلاء في الكتاب أعلاه:
«الله أكبر ما أجمل الكتاب من أنيس تؤدبك عجائبه، وتسرك طرائفه، وتضحك مُلحه وطرائفه، وهو نزهة الأديب عند لذته، ومتعته عند خلوته، وتحفته عند نشاطه، وأنُسه عند انبساطه، ومستراحه من همه، ومسلَّاته من غمه، وعوضه من جليس السوء، وسخف الأماني، ومستقبح الشهوات، وهو روضة مجلسه، وبستان يده، وأنيس يتقلب معه».
وتظهر ثمرة قراءة الكتب في مختلف العلوم في استخلاص عصارة التجربة الإنسانية، وتقنين العلم والمعرفة؛ ولذلك، فإنك عند قراءة كتاب تلو الآخر تتنقل بين عقول العلماء والمؤلفين، وتستحضر أصول العلوم وتجارب من سبقونا عبر مئات، بل آلاف السنين. وتمثل هذه الكتب الأساس في تعلم أصول المهن والحرف والوظائف، وترسيخ القيم والأخلاق الحسنة في المجتمع، مع عدم إهمال العرف أو السياق الصحيح المعتمد؛ وإلا كانت الأهواء، وما ينتج عنها من مشكلات، هي الحاضرة، مع الاستفادة من هذا العرف وتحويله إلى قواعد إذا استحسنه الناس من قبل المختصين.
وفي المقابل، يوجد كثير من أصحاب الحرف والأعمال الحرة ممن لا يقرؤون، أو لا يعرفون القراءة، أو لا يجدون وقتًا لها، وهذا الاختلاف في الأعمال والشهادات والدرجات هي سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، ليكون الناس في حاجة بعضهم إلى بعض باستمرار.
لذلك، فإن حضور العلماء والمثقفين، وتجوالهم في مختلف الأماكن وطبقات المجتمع، ضرورة لا غنى عنها؛ لمواءمة الأصول والثوابت مع الواقع، والاستماع إلى الناس والاستماع إليهم، لأنهم حلقة الوصل بين العلم والمعرفة من جانب والمجتمع من جانب آخر. فالعلماء، بمختلف تخصصاتهم، هم من يضبطون ميزان استقرار المجتمع، وتحقيق ذلك يتطلب إنزال الناس منازلهم كل حسب مقامه ومنحه المكانة التي يستحقها مع حفظ الحقوق والحريات للناس اجمع.