زمن التّسويات الوديّة
فيصل عبدالحسن
مهما قيل عن الحاكمين وحسن نياتهم في القضاء على الفساد في العراق ومهما حاول من حاول أن يصلح هذا الخراب، فهو أما واهم أو يحاول إيهام الشعب بأنه المصلح الذي أتى به الزمن الصعب لهذا الشعب، فالخراب يلد نفسه، وأن النظام السياسي الذي تم اختياره لحكم العراق هو أكبر مولد لهذا الخراب، وما الأحزاب السياسية والسياسيون الفاسدون، هؤلاء ليسوا إلا وقودا لمحركه النفاث الهائل.
ما نعيشه حاليا في العراق من تلكؤ في الخدمات وفساد إداري ومستقبل لا يبشر بالخير للأجيال العراقية الحالية والقادمة، قاموس هائل يمتلئ بأنواع خطيرة من الخلل.
كل هذا الخراب ناتج بشكل مؤكد من نوع النظام الذي تم فرضه على شعب محتل، وخارج لتوه من حقبة حكم شمولي في سنة 2003. شعب عانى الآمرين من حصار غاشم وحروب عبثية في الثمانينات والتسعينات. شعب أراد أي حل ممكن للعيش كباقي شعوب الأرض في سلام متمتعا بخيرات بلده، لكنه وقع ضحية جهله وطيب نياته وعيشه على الفطرة، لدول محتلة للعراق لا تريد الخير له ولا لشعبه، دول أرادت أن تمرر مصالحها أولا حتى لو حكم الشيطان العراق وأذاقه كل شروره.
نعم كل هذا الخراب الذي نعيشه هو بسبب اختيار نظام الحكم الخطأ الذي تم تصميمه لكي يبقى العراقيون يعانون من الفرقة والتشرذم يعيشون في ظلام دائم ومأسي لا تنتهي، فقر ومرض وجهل وفساد إداري ومالي، ونعرات طائفية، واصطراع علني ومخفي على السلطة السياسية باستخدام كل الأسلحة القذرة، وبكل وسائل التشهير والطعن، وتهشيم كل مفاهيم الوطنية، وجعل هذه المفاهيم كنوع من أنواع الماضي، فالفرد وما يناله من الفساد من مال وجاه وسلطة هي الوطنية نعم المليارات هي الوطنية الحقة، وما يعانيه الشعب من بطالة وفقر ومرض وجهل، فهو ما يناقض الوطنية التي أرادها النظام الجديد للإنسان العراقي. وكل هذه المسلمات لأحوال الشعب العراقي ما هو إلا حنين إلى العهد الماضي، وأن زمننا هو زمن الخطأ هو الصحيح والصحيح هو الخطأ نعم أنه زمن التسويات الودية مع اللصوص والفاسدين.
قاموس الخراب لا يمكن حصره في الوجود العيني للأشياء من مؤسسات وطرق وأزمات بطالة وفقر ومرض وتردي في الأداء السياسي الخارجي والداخلي، بل يوجد خراب حقيقي في بناء الإنسان العراقي، ترى انعكاساته المدمرة واضحة في سلوك الناس مع الممتلكات العامة والخاصة، تجده في تعامل الأسرة فيما بينها ومع الأسر القريبة منها، التي ترتبط بها بصلة الدم والرحم، والأسر البعيدة في القرابة لكنها لها معاملات إنسانية كإسر الجوار والوطن.