أسئلة المهنة في زمن الرقمنة
محمد كاظم الفاضلي
مر عيد الصحافة العراقية بهدوء حتى انه لم يحظ باحتفال شكلي على الرغم من مرور قرن ونصف على صدور صحيفة الزوراء عام 1869 .
في هذه الذكرى تقفز الأسئلة القلقة، هل تملك الصحافة شروطها لكي تصون حق المجتمع في الفهم؟ وهل تلتزم المؤسسات المؤثرة في الخطاب بمسؤوليتها تجاه المجال العام؟ وأين يقف الجمهور بين المعلومة الموثوقة والانشغال بالشائع؟ اين تتموضع الصحافة العراقية في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟. فالصحافة ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل مؤسسة اجتماعية تؤدي دوراً أساسياً في بناء الوعي العام ومراقبة السلطة وكشف مواطن الخلل. وكلما اتسعت مساحة الحرية وتعززت المهنية، ازدادت قدرة المجتمع على اتخاذ قراراته استناداً إلى المعرفة لا إلى الإشاعة..
وفي العراق، خاض الصحفيون عبر تاريخهم الطويل تجارب قاسية، بين الرقابة والاضطرابات السياسية والعنف والتحولات التكنولوجية المتسارعة.
ومع ذلك بقيت الصحافة، بأشكالها المختلفة، شاهداً على أحداث البلاد الكبرى ومرآة لتحولاتها. لكن التحدي اليوم لم يعد مقتصراً على حرية الوصول إلى المعلومة، بل يمتد إلى القدرة على التحقق منها في زمن تتدفق فيه الأخبار والصور والآراء بسرعة غير مسبوقة,فالمعركة الحقيقية أصبحت معركة مصداقية وثقة، حيث لا يكفي أن تصل المعلومة إلى الجمهور، بل ينبغي أن تصل دقيقة ومتوازنة ومفهومة..
إن الاحتفاء بعيد الصحافة العراقية يكتسب معناه الحقيقي حين يكون مناسبة لمراجعة الذات المهنية، والدفاع عن استقلالية المؤسسات الإعلامية، وحماية الصحفيين، وتعزيز حق المواطنين في المعرفة. فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الأصوات فحسب، بل بجودة ما يقال، وبقدرة الصحافة على تحويل الوقائع إلى فهم، والأحداث إلى معرفة، والمعرفة إلى مصلحة عامة.
كل عام والصحافة العراقية أكثر استقلالاً ومهنية، وأكثر قرباً من الناس وقضاياهم، وأكثر وفاءً لرسالتها الأولى: خدمة الحقيقة وخدمة المجتمع..