الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشاحنة

بواسطة azzaman

الشاحنة

أحمد كاظم نصيف

 

انقلبتْ الشاحنة بعد أن فقد سائقها المتهور السيطرة عليها، الذي لم يحسن القيادة وإثارة اعجاب الناس، وعذره في هذا أن علاقته بالقيادة علاقة عابرة ومحاولة تجريب، وهو يتمتع بفتوة تصاحبها رعونة مراهق يعاني الحرمان، ذلك بعد أن دهستْ جمعاً غفيراً من المارة، ثم اصطدمتْ بعمود على جانب الطريق.

عمَّ الفرهود، واستولتْ مجموعة من اللصوص الصعاليك المنحرفة أخلاقياً على بضاعتها الثمينة، فقد كانت محمّلة بالذهب والياقوت والمرجان ومجوهرات الماس وعملات أجنبية مختلفة، جاء هؤلاء السراق من المبغى، مومس فقدتْ جمالها وفتنتها وصدّ الزبائن عنها:

"كانت إذا جلست إلى المرآة يفتنها صباها"(1).

وتتذكر حياتها الماضية التي تحفل بالبراءة قبل أن تقطن المبغى، وأصبحتْ تتمنى أن تتزوج حمالاً، انها أمنية نبيلة على ما فيها من تنازلات، لأن العمل الشريف وحتى البغاء كما تظن هي أكثر وأعلى قيمة من مهنة اللصوص، تقول: أبيع جسدي ولا أسرق قوت اليتامى والفقراء والمساكين وابن السبيل؛ هل أبيع نفسي وأولادي وأحفادي من أجل حفنة من الدولارات المزيفة، أيعقل كل هذا من أجل الأموال الملوثة؛ الأموال القذرة، أما اللص فبعد أن يبيع جسده وشرفه، يسرق الأموال حتى من بيت أهله.

"يا ليت حمالاً تزوجها يعود مع المساء

بالخبز في يده اليسار وبالمحبة في اليمين"(2).

فهي رغم كل ما حصل من تراجيديا حولتها إلى امرأة احترفتْ البغاء، أو أن الأيام ساقتها مرغمة لهذه الحرفة، تقول:

"لا تتركوني فالضحى نسبي

من فاتح ومجاهد ونبي

عربية أنا أمتي دمها

خير الدماء كما يقول أبي"(3).

لقد كانت تلك المرأة قبل أن تأوى لبيت البغاء تعاني من وضع عائلي منكود لا يطاق، ويبدو أنها تحاول الهرب من حالها البائس، وتقوم بثورة على واقعها المرير والتخلص منه، فوقعت وهي في حيرة البحث عن البديل في حال أشد سوءاً وسواداً، وتنتهي حياتها كما تنتهي حياة أغلب هذا النوع من النساء بالذبول والشيخوخة، انتهت إلى جسد بالٍ لا يلتفت إليه أحد، ذهب حسنها الذي كان بالأمس محط أنظار الزناة، وتحولت إلى عظام يابسة ليس فيها ما يثير اشتهاء الزبائن:

"لا ينظرون لها، ولا يتلفتون

وكأنهم لا يذكرون

تلك الليالي حين كانوا يسألون

عنها وهم يتحرقون

لكنها ذبلت ودب بها الفناء .."(4).

ومخبر سري لم يكن أول الأمر موغلاً بالحقارة أو الاثم، كان في داخله شيء أبيض، بعض نقاء "ضمير" وكان يخشاه، غير أن الاخلاص للمهنة وممارستها يومياً إلى حدّ الاجادة، كفيل بأن يقتل ذلك الضمير تماماً، وبقتله يكون الستار قد أسدل على الماضي، ويبدأ موقفه من مهنته ونظرته إلى الجريمة، بعد نضجه ووعيه، فالرجل الذي كان يخشى بقية ضمير تدرب الآن وازداد خبرة بالجريمة، لا بل نراه يحاول أن يؤسس لفلسفة خاصة به هي فلسفة السفاحين والقتلة الذين تعلموا أن الخلاص من الاحساس بالإثم وتأنيب الضمير يتم بالإمعان في الجريمة، واحتضان الخطيئة وزيادة الممارسة، فلا يبدو انساناً سوياً، فيكون قوته وقوت بنيه لحم آدمي!.

وكان من بين أفراد عصابة اللصوص حفار قبور(*)، الذي يشتاق إلى الموتى بل إلى نشوب الحرب لتمزق اللحم البشري فيتلقى أفواجاً من القتلى يدفنهم لكي يكون أكثر ثراءً وانفاقاً على ملذاته، هؤلاء جميعاً لم يستطع أحد منهم أن يحقق ما يصبو إليه خلال حياته البائسة.

وبعد أن استتب الأمر جاء ذوو الضحايا للمطالبة بالتعويضات؛ فمنهم من تم تعويضه بعلبة زيت واحدة، وآخر منح كيلو واحد من الحلوى، ثمة أشخاص تم تعويضهم بأموال طائلة بلغت عند بعضهم مليارات من الدنانير الخضراء، وآخرون حصلوا على أراضٍ وبنايات شاهقة، وعجلات سوداء فاخرة، وآخرون اشتغلوا أبواقاٌ واعلاميين، ومنهم منْ حصل على الشهادات العليا، وامتلأت المدينة بالأطباء والأدباء من قصاصين وروائيين وصحافيين وشعراء كبار! وتشظت إلى أحزاب وكتل .. وخرسانات كونكريتية، واستباحت الحدود وغدت معبراً للأمراض البشرية، وانتشرت العدوى.

اقترح أحد العقلاء أن تمنح جائزة كبرى لمن ينقذ المدينة من وباء الفساد الذي لم يبق على شيء، جراء انقلاب الشاحنة، فوقع الاختيار على فتاة حسناء تسمى (رشوة)، بيد أن الناس اعترضوا بشدة على تسميتها المنقذ أو المخلّص، وعلى الرغم من اعتراضهم بقيتْ بعد أن حظيتْ بتأييد الأغلبية الساحقة، وذلك في انتخابات ديمقراطية نظيفة وشفافة؛ فانتشرتْ وتمددتْ وخيمتْ على أجواء المدينة المنكوبة.    

تصاعدت المطالبة بالعدالة، وخرج كثيرون ينددون ويندبون حظهم، أما اللصوص، فلم يكتفوا بالسرقة، بل تمادوا .. تمادوا أكثر، وآخذ أحدهم يسرق من الآخر، فنشبت حروب تصفية بينهم، فوضى واغتيالات ومجازر، مات الجميع، حتى الذين حاولوا أن يحافظوا على البضاعة ويعيدوا تصليح الشاحنة، ماتوا رمياً بالرصاص وقسم مات شنقاً حتى الموت، ومنهم سحبوا ممدودين على وجوههم (وراء زوجين من البغال)(5).

نجا الأبرياء فقط من هذه المذبحة الدنيئة، نجوا بجلودهم، الذين لم يضعفوا أمام بريق البضاعة، الأنقياء، الشرفاء، الذين يأكلون من كدهم، ويشعرون بشيء اسمه الكرامة، والانسانية، والانتماء إلى مدينة صاحبة جاه وحضارة، ويؤكدون على أن مدينتهم هي الأولى في الكرم والعفة والشرف والغيرة، مدينة شغلت الدنيا؛ وكان هنالك شخص يجلس بعيداً ويغني منفرداً:

"هذا الوطنُ المحسود

 الوطنُ التفاحة  –

يحميهِ اللهُ من الدود"(6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)، (2)، (3) المومس العمياء: بدر شاكر السياب.

(4) بنت المبغى: راضي مهدي السعيد.

(*) عنوان لأحدى قصائد السياب.

(5) قصة التمثال في آشور: محمود البريكان.

(6) كاظم الحجاج.


مشاهدات 64
الكاتب أحمد كاظم نصيف
أضيف 2026/06/16 - 1:33 AM
آخر تحديث 2026/06/16 - 3:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 220 الشهر 15002 الكلي 15890483
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير