الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من وحي اليوم العالمي لمناهضة الكراهية.. مسامير اللغة الصدئة وفخاخها والعنف الرمزي في خطاب

بواسطة azzaman

من وحي اليوم العالمي لمناهضة الكراهية.. مسامير اللغة الصدئة وفخاخها والعنف الرمزي في خطاب

كريم عبيد علوي

 

  من قبل حلم الفلاسفة بمدن فاضلة يسود فيها العدل والوئام بين الناس ووضعوا لها أسساً تنظيمية تتكفل بذلك ، وكانت اللغة التي تبتعد في استعمالها عن الإيهام والتضليل واللبس واحدة من أهم تلك الأسس ،  فـ (توماس مور )في كتابه (يوتوبيا ) شدد على  أن تكون اللغة في مدينته المثالية الفاضلة خالية من الألفاظ والعبارات التي يمكن أن تخلق النزاعات اللفظية بسبب عدم تحديد المقاصد لغموض بعض عباراتها ومفرداتها ، واذا كانت تلك المدن الفاضلة أحلاماً من ورق فان عالم اللغة  (زامنهوف) حاول أن يضع لغة عالمية تسهل التواصل العلمي والإنساني بين البلدان وتتيح التعبير بدقة بعيداً عن الأوهام وسوء المقاصد المحتملة ، فاخترع لغة علمية أسماها ( الاسبرانتو) ووضع لها أبجدية كتابية وقواعد نحوية ، بيد أنها لم يقدر لها النجاح  وذيوع الاستعمال ،  فعزف عنها الناس وطواها النسيان ، لأن اللغة ظاهرة اجتماعية  عفوية قبل أن تكون قراراً فردياً أو قراراً رسمياً ، وإذا كانت الأنظمة الاجتماعية متطورة لأنها خاضعة للنقد و لإرغامات الحياة ومتغيراتها فإن (دي سوسير) في محاضراته اللسانية يرى أن اللغة هي أقل الظواهر الاجتماعية تطوراً وأكثرها ممانعة إزاء التغيير ؛ لأن اللغة تشكل نظاماً للتفكير وآلية لتصور الأشياء الخارجية ، فهي ليست شكلاً يمكن التخلي عنه بسهولة ،  يأتي الحديث عن ذلك وكتابة هذا المقال تزامناً مع قرب اليوم الثامن عشر من حزيران الذي اتخذته الأمم المتحدة يوماً عالمياً لمناهضة الكراهية ، ودأبت أن تحتفي به  منذ عام 2022  مع دعوتها لسن التشريعات القانونية التي تجرم خطاب الكراهية ومفرداته اللفظية ومناهضة النزعات العنصرية وازدراء الأديان . ومما لا شك  فيه أن مجتمعاتنا بأمس الحاجة للاحتفاء بهذا اليوم واستذكاره وإيلائه أهمية  بسبب انقسامها ونزاعها المذهبي والقومي  وما تكبدته من ويلات وخراب وفجائع جراء ذلك ، ولكن الحق أن التخلي عن ألفاظ الكراهية لا ينطلق من قرار رسمي  وتشريعات قانونية في عزل مفردات تكرس البغض والحقد بل الأمر مرتبط  بنزعة  عرفية ذوقية وأخلاقية في الاستعمال ، فاللغة  ترتبط بأسس التفكير الاجتماعي وقيم المجتمع ورقيه الإنساني . ولأن اللغة لا يمكن اختزالها بمفردات وتراكيب وقواعد نحوية ، فهي ليست نظاماً صورياً مجرداً فحسب بل هي خزان لاستعارات تصورية ومجازات ينتظم في ضوئها التفكير الاجتماعي وتستند إلى موروث من النصوص الأدبية والتاريخية والكتب المقدسة تشكل بمجملها خطاطات ذهنية تكون منطلقاً للاستدلال وتصور الوقائع والتفاعل معها، وتبني تصورنا حول التاريخ والمستقبل وعن الآخر المختلف عنا بموروثها السردي وبأمثالها وحكمها .                         

     لقد تصدت الأعمال الروائية العراقية بعد 2003 لموضوع الكراهية في المجتمع العراقي وتداعياته في الحروب الأهلية ، وكان من أبرزها أعمال الروائي (سنان أنطون) ، ومن بين أكثر أعماله التي جسدت ذروة الكراهية هي رواية (وحدها شجرة الرمان) . ففي الرواية يضطر (جواد/جودي) الرسام الموهوب المولود في أسرة شيعية  أن يحترف مهنة أبيه في تغسيل الموتى التي ورثها عن جده ، فلم تجد نفعاً محاولاته في إيجاد فرصة عمل بديلة وهو الرسام المتطلع لحب الحياة والاحتفاء بمباهجها والنزوع لتخليدها في الفن، تزامن ذلك في ذروة الحرب الأهلية في بغداد بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء ، فيقترب من حافة الجنون بسبب الكوابيس التي تطارده ومشاهدته لجثث الموتى وتغسيله لأشلاء القتلى في مغتسل مدينة الكاظمية في بغداد من ضحايا العنف والتفجير والقتل على الهوية ، فأكثر المشاهد التي تثير الشفقة والعاطفة والنبل الإنساني والأسى والإشفاق هي مناظر الموتى من ضحايا الكوارث .  إنَّ ثمة عنفاً رمزياً يطال جسد  المرء ميتاً بعد وفاته قد صورته رواية ( وحدها شجر الرمان) ، فلكل ثقافة مراسمها الخاصة في طقوس العبور ولا سيما دفن الموتى واختيار المكان وكيفية تجهيز الميت .  فمعظم الملل  تختار مكاناً لدفن معتنقي مذهبها وحدهم ولا تجيز لأي أحد من الديانات الأخرى أن يدفن في مقابرها ، فإكرام الميت دفنه في مكان يكتسب حرمة لدى تلك الطائفة ،فكأنَّ اللحد مستراح الديانات الحقة وهو بوابة البرزخ للنعيم الآخروي ، صورت الرواية ذلك مع جثث الموتى في العمليات الإرهابية ممن هم مجهولو الهوية إذ لا مكان لهم بين تلك الأمكنة فهم بلا هوية . فالعنف الرمزي  الذي ينتج الكراهية لا يمكن تلخيصه وحصره بالألفاظ وحدها فقد يكون  إيماءة من لاعب كرة قدم يرسم الصليب أو لاعب يسجد على ساحة الملعب او يرسم شارة النصر بأنامله في وجه الجمهور انتشاء وإغاضة بعد تسجيله هدفاً أو يكون زياً تنكرياً أو هتافاً أو أيقونة أو دمية  يرفعها جمهور كرة القدم . أو قد يكون الاستغراق في  بث محتوى رقمي يتضمن هوية فرعية والمبالغة فيه  في الفضاء الرقمي العام المؤمم ، أو يكون  نقداً مسرفاً جارحاً  لمسألة علمية أو ثقافية في استهزاء وتهكم أو شيطنة لفكرة نظرية عامة أو منهجاً أو اتجاهاً من دون مراعاة حساسية آخرين يؤمنون بها .

وفي ضوء خطاطة (ياكوبسن) تبرز واحدة من وظائف الخطاب الست ، تتلخص هذه الوظيفة في  شرح أو نقد أو بيان بعض مفردات الخطاب وعباراته وتفسير ما غمض فيه من معان أو نقدها وتحليلها وتسمى بـ ( ما وراء الخطاب) ، وهي أقل الوظائف حضوراً موازنة بغيرها من الوظائف التواصلية الإخبارية والتعبيرية والتأثيرية ، وإذا كنا نتحدث باللغة عن الأشياء بمختلفها في الوظيفة الإخبارية فإننا نتحدث باللغة عن اللغة نفسها في  وظيفة ( ما وراء اللغة والخطاب) ونصدر أحكاماً قيمية على اللغة بمفردات اللغة نفسها وبمنطق اللغة نفسها ، فنقع في أشراك اللغة وفخاخها ولا يمكن أن نفلت من قبضتها ، ومن مصاديق هذه الوظيفة جملة من الحوارات التي ترد على لسان ( جودي ) في نقده لألفاظ اللغة المحرضة على الكراهية التي تلامس جوهر المشكلة الطائفية وتفكك محركاتها في صراع الأفكار والعنف الرمزي . فبعد حادثة تفجير القبتين في سامراء يثور (جودي) في نوبة غضب مصرحاً بكرهه لكل الهويات الفرعية ( الهويات القاتلة) التي تنتج الكراهية وأسباب الموت والإرهاب وضمنها هويته المذهبية  ؛ في واحد من أهم نصوص الرواية التي تستشرف  سلطة اللغة و فخاخها ،  متمنياً لو أنه قام بتفخيخها ونسف  كل تمثلاتها الدلالية من المفردات التي تشير للطوائف  وما تختزن من عنف رمزي وكراهية ، ولكنه أدرك استحالة ذلك لأنه من حيث  لا يشعر  يستعمل هو الآخر مفردة (التفخيخ) ، فلم يفلت من قبضة الكراهية التي تنتجها لغته ، فوقع هو أيضاً في شراك كراهيتها ، فقد جاء على لسانه  : ((بدأت أكره الجميع بالتساوي شيعة وسنة وإن كل هذه المفردات تخنقني كأنها مسامير صدئة في  رئتي : شيعي ، سني ، مسيحي ، صبي ، يزيدي، كتابي ، رافضي ، ناصبي ، كافر ، يهودي. لو أن بإمكاني أن أمحوها كلها  أو أفخخ اللغة وأفجرها كي يستحيل استخدام هذه المفردات ، ولكن حتى هذا لن يغير ما تحمله المفردات وما ترمز إليه ، وهأنذا أيضاً استخدم لغة التفخيخ والذبح )) .

وإذ تبرز حاجة ملحة  في حظر ألفاظ  الكراهية من الفضاء التداولي العام ومراقبة الاستعمال من خلال سن تشريعات قانونية تجرم خطاب الكراهية إلا أن ذلك لا ينسجم مع منطق اللغة ، ففي اللغة نفسها سلطة قسرية تتحكم في مسار الذهن وبناء التصورات  ،فلا يمكن الإفلات من هيمنة اللغة وسلطتها ومركزيتها فإذ يتوهم الإنسان أنه يتحدث من خلالها ويستخدمها أداة لأغراضه لكنها ـ في تصور (هاديغر) لها ـ هي منزل الكينونة التي تتحدث من خلاله وتستخدمه ، فأنساقها ووجودها يسبق فهمه وتصوراته الذاتية. فـ (رولان بارت) في كتابه ( درس السيميولوجيا ) يؤكد أن اللغة ليست مؤسسة ليبرالية تتيح بدائل تعبيرية كثيرة للفكرة الواحدة وتهيء حرية التعبير، وليست هي أيضاً مؤسسة دكتاتورية تقسر الإنسان أن يعبر بطريقة ليس مقتنعاً بها بل هي مؤسسة فاشية إذ هي تعيد توجيه أنماط التفكير  . لقد حاول النظام السابق قبل 2003 في سبعينيات القرن الماضي منع استعمال الألقاب التي تدل على الانحدارات المناطقية والقبلية إلا أن ذلك لم يدم طويلاً في عهده إذ برز في العقدين الأخيرين من حكمه استعمال الألقاب القبلية بشدة وهيمنت العشائرية على المجتمع. وعلى الرغم من قيام أكثر من سياسي واحد بعد احتلال أمريكا للعراق 2003  بالاستعاضة عن اسمه الحركي الرمزي في مرحلة المعارضة باسمه الصريح بعد توليهم للمناصب الرسمية إلا أن بعضهم أصر على الاحتفاظ باسمه الحركي (الجعفري) الذي يشير إلى مذهبه على الرغم من توليه لمنصب سيادي كرئاسة الوزراء ، فليس هناك كالألقاب والأعلام أكثر دلالة على الانتماء القبلي والمذهبي . فهذه المفردات لا تنشئ التقابل اللغوي في قيم سلبية لتحقيق المغايرة البنيوية في اللسان فحسب ، فهي ليست معان معجمية محايدة في الاستعمال بل هي محملة بدلالات هامشية ونفسية حافة ، فهناك ظلال من المعاني الثانوية تصاحب الدلالة المركزية لهذه الألفاظ ، ففي التصور الدلالي (لتشارلز فلمور)  للكلمات فان ثمة أطراً ذهنية  تتضمن مجموعة من التصورات وترتبط بذاكرة و قائعية وثقافية متعلقة بكل مفردة ، لذلك تختلف الثقافات والهويات الفرعية في تمثلاتها للمفردات الواحدة لاختلاف أطرها الذهنية . فالأمر لسانياً لا يمكن تبسيطه بالاستغناء عن مفردات ما تحرض على الكراهية من دون صناعة ذاكرة جديدة ترتبط بهوية جديدة .

إن مفهوم السياسة اللغوية الذي تبلور في مناخ اللسانيات الاجتماعية في أوربا الذي تلقته اللسانيات العربية والثقافة العربية بنحو عام لا يتلخص في المنظور الغربي بالحفاظ على ديمومة اللغة  ونقاء استعمالها وتداولها بل يمتد إلى قضايا اجتماعية وثقافية مهمة ، و من أبرزها إدانة التحيز اللغوي لصالح الذكر على حساب الانثى وتفكيك الخطابات الذكورية ومناهضة الألفاظ العنصرية ، فكانت تلك الرؤى السياسية تمتاح خططها البرامجية في التربية والتأهيل وسن التشريعات من المنجز اللساني الوصفي المحلل للخطاب ضمن أدبيات التخطيط اللغوي ، فالأخير هو من يرسم الخريطة التفصيلية لبوصلة السياسة اللغوية . وفي التلقي العربي انحصر الأمر في التعريب والترجمة وتنقية الاستعمال الفصيح من العامي الدخيل و التنبيه على خطر الثنائية اللغوية والازدواج اللغوي ، ولم تشرع نوافذها في النظر  لمناهضة العنف اللغوي الا في دراسات خجولة ، فقد اقتصرت تلك الدراسات على الأنساق الصورية المجردة والحفاظ على اللغة ، فلا يكفي سن التشريعات وتفعيلها ومحاسبة المحرضين على الكراهية من الطائفيين ودعاة الفتن بل إن أي حديث عن ذلك بدون تبلور مشروع هوية وطنية تتبناه مؤسسات الدولة في خطابها التربوي وتتخذه فلسفة في بناء الفرد يكون عبثاً .  إن تقديم تأويلات أخرى غير التأويلات المذهبية للأحداث التاريخية الإسلامية لأخبار الفتن والانقسام ونقدها بموضوعية ، وفصل التاريخي البشري عن الروحي والمقدس والقيمي الذي هو من الثوابت المشتركة بين المذاهب المختلفة من شأنه أن يسهم في معالجة هذه الإشكالية .

وفي مشاهد كثيرة من رواية ( وحدها شجرة الرمان) تستفز (جودي) استعمالات  الآخرين للضمير (احنة /همة) (نحن/هم)  في الإشارة للطوائف في سياق الكراهية وينتفض ضد من يستعملها حتى من أسرته ، ولكنه في إحدى الحوادث يقع في شراك اللغة وفخاخها من خلال سوء التأويل إذ لا يوجد بديل في سياقات  معينة للتعبير عن تلك الانتماءات من غير تلك الضمائر. فقد استفزت جودي عبارة شخص اصطحب جثة متفحمة مجهولة الهوية نتيجة العمليات الإرهابية  ، فقد طلب من جودي أن يتولى مراسيم تجهيز جثته بالتيمم بدلاً من التغسيل قائلا ( سوي الاشياء التي تسوهة انتم)  فاستفزته العبارة المتضمنة لضمير المخاطب(انتم) فألح بالسؤال ( شنو تقصد بانتم أ تقصد الشيعة ام تقصد من يتولى تغسيل الموتى) . فأدرك بعد أن هدأ روعه أن توقير هذ الميت ( الشيعي)الضحية وإكرامه هو من يدفع هذا الرجل (السني) الشهم إلى مراعاة معتقدات مذهبه ويطلب منه هذا الطلب بدليل أنه يجازف بحياته في هذه الظروف الاستثنائية في الحرب الأهلية وينقله إلى المغتسل. فهذا التقابل  في الضمائر من أسوء تجليات خطاب الكراهية في إثارة الحساسيات. ويتم توظيفه في سياق الكراهية لاستدعاء العنف الرمزي ، ففي محاكمة رئيس النظام السابق صدام حسين المليئة بالعنف الرمزي يتم  تأويل ثنائية ( هم/ احنة) في قضية الدجيل وأثناء إدلاء أحد الضحايا بشهادته مستذكراً وقائع الحادثة التاريخية والاعتقال ذاكراً (أتى أحد الضباط منهم) اعترض صدام قائلاً:( منو تقصد منهم.. السنة ) في ابتسامة تحمل دلالات كثيرة ، فأجابه الشاهد( لا السنة هم أخوالي وانا اتشرف بهم) ثم أعاد كرة السؤال ثانية (منو البنوناصر )إشارة إلى عشيرة الرئيس ،ومضى الشاهد في حديثه دون أي تعليق ، فقد فطن بنباهة إلى مزالق السؤال وما يتضمن من دلالات لإثارة الكره الطائفي . فالضمير في ضوء لسانيات التلفظ لا يضطلع بتعيين المتحدث والمتحدث إليه إذ إن اللغوي الفرنسي ( أميل بينفينيست) يؤكد أن استعمال الضمير في الخطاب يتضمن رسم المسافة الجدلية بين الأنا والآخر ، فلا يمكن رصد الذاتية في الخطاب دون تلك التقابلات الإشارية بين الضمائر ، فتوظيف تلك الثنائية في الاستعمال يتيح للمتحدث تأكيد انتمائه لجماعته المذهبية ( نحن) وتضامنه معهم ، وفي الوقت نفسه فـ (الأنا) في كينونتها  تشكلها الهوية المغايرة للآخر ، فثمة تقابل هوياتي اجتماعي ، وهذا التقابل يتفرع منه تقابل ضمني هو التقابل بين الحضور والغيبة وفيه تشفير وترميز للكراهية ، فدلالة ضمير الغيبة (هم) في خطاب الكراهية يشير إلى البعد النفسي والبعد الفكري ولا يشير للبعد المكاني فحسب . وكان الناقد (نادر كاظم) في كتابه المهم والقيم ( لماذا نكره) قد أشار من قبل إلى أن عزلة الجماعات عن بعضها وعدم تفاعلها مع الهويات المغايرة  في الاجتماع والحضور هو من يتيح للكراهية أن تنمو وتتنفس بحرية إذ الجماعات في التواصل تضطر إلى أخلاق المجاملة  ، بيد أن الأمر قد استفحل في الفضاء الرقمي الافتراضي واتساع دائرة البث الفضائي التلفزيوني فأصبحت البرامج الحوارية مادة سهلة الإعداد وتضمن تفاعل الجمهور في محتواها المتعلق بمسائل الخلاف الدينية أو السياسية في صناعة ممنهجة لخطاب الكراهية تستثمر فيه لخلق الاصطفافات العرقية والمذهبية وصناعة الرأي العام لا سيما في الانتخابات البرلمانية ، مما أدى لبروز تلك الثنائية في الحوارات السجالية ( همة / احنة) ، ( عدنة/ عدهم) (جماعتنة/ جماعتهم)  في غياب ملحوظ لقاعدة الأدب في الحوار وغياب المجاملة لا بل امتد الأمر إلى تعميم الشتيمة فبدلاً من أن يقول المتحدث لمحاوره( تاج راسك) يقول ( تاج راسكم) ، وبدلاً أن يقول في لحظة احتدام النقاش والغضب ( رغم أنفك) يعمم قوله بصيغة الجمع ( رغم أنوفكم) ، ولا يخفى ما في التعميم من استعداء  غير مهذب وإهانة للجمهور وإثارتهم عاطفياً واستفزازهم في فضاء يتيح التفاعل مما ينتج تبادل العنف اللفظي ، فيصبح الفضاء الرقمي فضاء لا تستريح له النفس مليء  بالبغضاء والكراهية والتشفي والشحن الطائفي ، يحصل كل هذا في ظل غياب المحاسبة القانونية لجرائم النشر وعدم تجريم مثيري الفتن المذهبية والطائفية وملاحقتهم قضائياَ ، في وقت تنشط في الظل والخفاء جيوش الكترونية تفيد من الارتزاق والتكسب الرقمي في التحريض والتشفي وبث الفتن والاستثمار فيها ، وما تنتجه من عنف رمزي وفي صناعتها للكراهية يكون سبباً مهماً ومقدمة حتمية لنشوب الصدامات الأهلية والاقتتال الطائفي .

إنَّ أكثر الأواصر التي تصنع الهوية الواحدة ولعلها أكثر من آصرة الدين الواحد والمذهب الواحد هي اللغة الواحدة كما يؤكد الأديب والمفكر اللبناني أميل معلوف في كتابه القيم ( الهويات القاتلة) ، فالفتوحات الإسلامية لم تسهم في نشر الإسلام فقط في مصر وفي شمال افريقيا بل أسهمت في إدخال تلك المجتمعات إلى الحاضنة الثقافية العربية ، فانصهرت تلك المجتمعات مع العرب في هوية واحدة ، لأنها تحدثت باللغة العربية بينما لم يحصل ذلك الاندماج في الهوية مع إيران وتركيا على الرغم من دخلوهما الاسلام وحكمهما للبلاد العربية وعلى الرغم من التلاقح الثقافي والسبب يعزى لاحتفاظها باللغة الفارسية واللغة التركية. فلا شيء يسهم في صناعة الهوية الواحدة مثل اللغة ولا شيء يفت من كيانها مثل انقسامها وتفتت لهجاتها . ففي واقعنا العربي المعاصر وفي لغتنا العربية الواحدة مثل التنوع اللهجي (المناطقي)  في إطار مفردات  يبدل بعض أصواتها  نقول مثل التنوع اللهجي تمايزاً شكل مسافة نفسية بين أبناء الوطن الواحد ، فكل يبقى عالقاً بتلك الحدود النفسية ولا يبرحها ، فيرسم ذلك التنوع اللهجي الطفيف محظورات أمام البوح والإفصاح ويضع كوابح أمام النقاش  ، فتشكل لهجة الآخر سياج تحفظه إذا كان يلتزم سمت الذوق والأدب في الحوار ، أو تغري نزقه وطيشه في إغاضة الآخر إذا تخلى عن مبدأ الأدب في الحوار. لابل اتخذ ذلك التنوع مساراً تأويلياً عند الجماعات الإرهابية في تحديد هوية الناطق و مرجعيته الدينية و المناطقية حين كان القتل على الهوية مشرعاً في كثير من البلدان العربية  في أحداث العنف والحروب الأهلية   .          

وإذا كانت البولوفونيمية (تعدد الأصوات) في العمل الروائي والدرامي وتوظيفها الذكي مما يسجل لأسلوبية الكاتب ؛ ففي المجتمع متعدد الثقافات والطبقات ينبغي رسم الشخصية بلسانها للإيحاء بانتمائها وهويتها الفرعية إلا أن ذلك أدى في الكثير من الأعمال الدرامية التلفزيونية المحلية إلى تأويلات تصب في دائرة العنف الرمزي في عدول التأويل للملفوظ من قصدية الإبلاغ إلى سخرية المؤلف في استراتيجية لغوية تقوم على التلميح والتلويح والازدراء العنصري لشخصيات معينة من خلال اختيار لهجتها الشعبية التي ترمز إلى انحدارها المناطقي أو المذهبي الذي يقع تحت طائلة التهكم الاجتماعي ضمن ما يسميه (وليم لابوف) بـ (أفعال الهوية اللغوية)  .فالتلقي الشعبي للأعمال الدرامية الفنية لا ينفك عن تلقيه للخطاب اليومي الواقعي المحفوف بالكراهية ، فثمة لهجات معنفة تتعرض للتنمر ، وفي الوقت الذي لا يمكن تبرئة بعض الأعمال الدرامية التي تنخرط في الكراهية وتعيد إنتاج خطابها وتسهم في صناعته إلا أن تعميم ذلك ينتهي بنا إلى استحالة عرض الشخصية العراقية بلهجاتها التي توحي بانتمائها الاجتماعي لأنها سوف تقع في شراك تأويلات سوء النية مما يجهز على سيرورة الفن وإنتاج الأعمال التلفزيونية ويودي بالإبداع.

وثمة خطاب أبوي  مهيمن في المجتمعات البطريركية الذي يعد مجتمعنا واحداً منها ، تتجلى في ذلك الخطاب نزعة السيطرة وتعميم المثال لأنماطه السلوكية ورؤاه ولهجة لسانه  بهدف إخضاع الآخر وتذويبه  في مثاله ، فالعنف المادي من القتل والاحتراب هو نتيجة لذلك العنف الرمزي في تأصيل عالم الاجتماع (بيير بورديو) .ومهما أبدى الآخر المختلف تناغماً مع خطاب المركز وأسهم في مشروعه الثقافي مع احتفاظه بخصوصيته الفرعية يبقى  معنفاً رمزياً ومتهماً بالخروج عن ثقافة المركز إذا اهتم بخصوصيته الثقافية ، ولعل خير مثال على ذلك أن إسهام اللغويين المسيحيين العرب في بواكير القرن العشرين في تحديث المعجم العربي ورفده بألفاظ الحياة المعاصرة وتهذيبه من الغريب والمهجور  وغير الثابت من الألفاظ ووضعهم الموسوعات المعجمية لم يشفع لهم  في إدخالهم لألفاظ تدل على المعتقدات النصرانية المسيحية ، فكانت محاولاتهم الريادية غير المسبوقة وجهودهم المخلصة محل تشكيك على الرغم من انتماء تلك الألفاظ النصرانية لدائرة الحياة العربية ولغتها و الاستعمال المعاصر، فاللغة تحيا بالاستعمال وتتجلى كينونتها به لا بما هو تاريخي وغير مستعمل .

وبعد وفي نهاية رواية ( وحدها شجرة الرمان) وتحت وطأة العنف و القتل يضطر جودي إلى السفر خارج الوطن مصطحباً معه كتاب ( أساطير الخلق الرافدينية)  للمطالعة في الطريق في دلالة تستشرف أن الخلاص من الكراهية هو في استئناف مسار جديد للهوية الوطنية لا أن يستغرق في الهوية الفرعية المذهبية  ،فذلك  الاستغراق شكل من أشكال العنف الرمزي ، فالهوية الرافدينية الأم من شأنها أن تصهر مكونات أبناء البلد في انتماء واحد مهما تعددت مذاهبهم ونحلهم. ليس هذا فحسب بل هذه الهوية تعلي من شأن الحياة والإصرار على مقاومة كل أسباب الموت ، فالأساطير الرافدينية ارتكزت على الخصب والنماء والبحث عن الخلود وحب الحياة وفلتت من قبضة فكرة الموت ، ولم تستغرق في رهاب و هواجس ما بعد الموت مثلما استغرقت الحضارة المصرية الفرعونية و حضارات أمم أخرى . وكان اختيار عنوان الرواية (تحت شجرة الرمان ) اختياراً  موفقاً وذكياً ويستبطن المعالجة ويستشرف الحل ، فمن الممكنات التأويلية المحتملة في القراءة التي يمكن إنتاجها في تفسير العنوان أن الهوية  العراقية الأم تمتاح قيمها من الثقافات الروحية  ، فهو يفتح نافذة على الثقافة الإسلامية من خلال تناصات  قرآنية خفية تعلي من مسألة الخلود التي تؤرق الإنسان من خلال رمزية فاكهة الرمان وما أورده  (سنان أنطون) في روايته من أحاديث نبوية في دعوتها للتشبث بكل حبات الرمان يشير إلى هذا التأويل الممكن، فهي من ثمار الجنة وعالم الخلود والآخرة ، فلا حياة بدون موت، تماما مثل الشجرة التي تغذت على مياه المغتسل ، فهي من تعطي للموت فلسفة ومعنى ، فلا موت إلا بعد أن يستنفذ المرء كل أسباب الوجود ويعطي للحياة كل أسباب ديمومتها  ما وسعه أن يعطي ، وهو بموته يبعث الحياة إذ يهب جسده للأرض لتحيا عليه وتتغذى مثلما وهبته هي الحياة من قبل ، كما يتضمن  العنوان تناصاً  قرآنيا خفياً يشير للقيم الروحية النبيلة في ( الكلمة الطيبة) المهذبة  التي تنسجها الدواخل الإنسانية النقية من خلال طيب النفس والسريرة ، فمن شأنها أن تنسج اللحمة الاجتماعية وتستنبت الوئام وتوطد الهوية ، مثل الشجرة الراسخة (شجرة الرمان) السامقة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء .

*باحث وتدريسي بجامعة بغداد


مشاهدات 112
الكاتب كريم عبيد علوي
أضيف 2026/06/16 - 1:30 AM
آخر تحديث 2026/06/16 - 3:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 220 الشهر 15002 الكلي 15890483
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير