مسرح عرائس الإنتصار
كفاح محمود
في السياسة، كما في المسرح، ثمة فنٌّ خاصٌّ في الأداء أمام الجمهور، وإيران اليوم تقف على خشبة المسرح الإقليمي وهي تُتقن هذا الفن أمام جمهور من المؤمنين، بينما تُوقِّع في الكواليس على وثائق تكشف حجم ما خسرت، وكي تتضح الصورة لنبدأ من الوقائع لا من الضجيج، في فبراير 2026 شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة على إيران طالت قياداتها العسكرية وقدراتها النووية، وقبلها، في يونيو 2025، دمَّرت ضربات أمريكية منشأة نطنز كلياً وأحدثت أضراراً بالغة في فوردو وأصفهان، وهو ما وصفته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن المواقع «عانت أضراراً هائلة».، ثم جاء إعلان الحادي عشر من يونيو الجاري؛ إذ أعلن ترامب عن «تسوية رائعة» تضمن ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً أبداً، فيما طالب مكتب نتنياهو بأن يشمل الاتفاق تفكيك بنية التخصيب وإخراج المواد المخصَّبة ووقف دعم الفصائل المسلحة في المنطقة.
هذا هو النص، أما الهامش الإيراني، فتكتبه وسائل الإعلام الموالية على النحو الآتي: انتصار تاريخي، وهزيمة ساحقة للأمريكان اضطرَّهم إلى القبول بالشروط الإيرانية، وقد بلغ الأمر حدَّ الطرافة حين اضطرَّ ترامب نفسه إلى التصريح بأن ما تُشيعه وسائل الإعلام الإيرانية «لا علاقة له بالحقيقة»، مطالباً طهران بأن «تُرتِّب أوضاعها بسرعة»، ليس مصادفة أن يصدر هذا التكذيب من الرئيس الأمريكي ذاته؛ فطهران تحاول أن تبيع لجمهورها الداخلي رواية مغايرة لما تمضيه على طاولة التفاوض.
ومن يصفِّق لهذه الرواية؟
ثلاث جوقات معروفة: إعلام الولائيين في العراق، والحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان، وهي بالمناسبة الجهات ذاتها التي يطالها البند الأخطر في الاتفاق؛ وقف الدعم الإيراني للفصائل المسلحة، أي أن وكلاء طهران في المنطقة يحتفلون بانتصار سيُعلن لاحقاً قطع شريان تمويلهم، وهذا وحده يكفي لفهم طبيعة العلاقة بين طهران وأذرعها: علاقة الراعي الذي يُسوِّق الوهم ما دام يخدم حسابات البقاء.
ماذا خسرت إيران فعلاً؟
الجواب يجمعه خيط واحد: كل ما راهنت عليه في العقدين الأخيرين، راهنت على البرنامج النووي رادعاً استراتيجياً، فصار ورقة تفاوضية يُتخلَّص منها، وراهنت على أذرعها الإقليمية ورقةَ ضغط دائمة، فباتت اليوم بنداً في جدول التنازلات، وراهنت على عقيدة «وحدة الساحات»، فتفككت الساحات قبل أن يُوقَّع الاتفاق النهائي؛ حزب الله ينزف في لبنان، والحوثيون تحت ضغوط متصاعدة، وفصائل العراق في منطقة رمادية لا تعرف إن كانت قيمةً للمساومة أم ثمناً للدفع.
التاريخ يعرف هذا النوع من الهزائم جيداً: تلك التي تُرافقها نشرات الانتصار وأناشيد الصمود، سابقة ادعاء الانتصار ليست جديدة؛ فبعد وقف إطلاق النار في يونيو 2025 خرج خامنئي ليُعلن أن إيران انتصرت وأنها «وجَّهت صفعة لأمريكا»، وكان يعلم في الوقت ذاته أن منشآته النووية طالها ما طالها، الأنظمة التي تخسر تحتاج إلى لغة لا تكسر هيبتها الداخلية، فتُلبِّس الهزيمة رداء الكرامة، وتُقدِّم الرضوخ على أنه صمود، فايران اليوم لا تنتصر ولا تُهزم في نشرات الأخبار، إنها تُفاوض على شروط واقع جديد لا تُحبُّه، وتبيع رواية انتصار لجمهور يحتاج إلى الأمل، والفرق بين الروايتين يتضح حين نسأل سؤالاً بسيطاً:
مَن الذي طالته الضربات؟
ومَن الذي يُملي شروط الاتفاق؟
الجواب لا يحتاج إلى تعليق.