الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عشقٌ كاملُ الأوصاف


عشقٌ كاملُ الأوصاف

 

عبد الله ابراهيم

 

بعد أن انقطعتْ عني أخبار ُ الدكتور صالح جواد الطعمة، المقيم في بلومنغتن بأمريكا منذ عقود طويلة، واظبت على الكتابة إليه مراتٍ عدة دون أن أتلقى أيّ جواب، وهو أمر غير معهود بيننا، فأبدلت انتظاري بالكتابة عنه. ومن ذلك ما كتبته من استذكار مفصّل نشرته يوم 2026-5-23 في صفحتي على الفيسبوك عن لقاء جمعني به حينما دعوته، مع المترجم الإنجليزي دنيس جونسون ديفيز، للحديث في ندوة عن «تلقي الآداب العربية في الثقافة الإنجليزية» أُقيمت في الدوحة حوالي عام 2009. وكان الاستذكار مناسبة عرّجت فيها على ذكر دعوته لي للإقامة في بيته في بلومنغتن عدة أيام إبان رحلتي إلى أمريكا في صيف عام 2014.

والراجح هو أنني كنت أعوّض بالذاكرة عمّا استعصى عليّ في الواقع، فصلتي بالطعمة مركّبة تجمع بين الصداقة والبحث والألفة، وقد تبادلنا خلال السنين الخمس عشرة الأخيرة من علاقتنا كثيرًا من الرسائل، وسبق أن حررت ونشرت في مجلة «الدوحة» لقاءً أجراه مع نازك الملائكة حينما كان طالبًا في الثانوية، في منتصف أربعينيات القرن العشرين تقريبًا، وقد بدأت نازك آنذاك تلفت اهتمام المجتمع الشعري العراقي. وأعدّ ذلك الحوار، المكتوب بخط الشاعرة، وثيقة أصلية مبكرة عن تجربتها الشعرية؛ فقد أرسل الطعمة إليها الأسئلة، وأجابت هي عنها بقلمها.

وبعد أن ظهرت النشرة الوافية من «موسوعة السرد العربي» في عام 2016، خصّها الطعمة بمقالة استقصائية بالإنجليزية نشرها في مجلة «بانيبال» التي كان لها دور كبير في التعريف بالآداب العربية في العالم الأنغلوسكسوني. على أن تعارفنا الشخصي يعود إلى وقت أسبق، وقد حدث في مكة شتاء عام 2005 إبان ندوة عن اختيارها عاصمةً للثقافة الإسلامية، وتصادف انعقادها مع موسم الحج، فأدّينا مناسك الحج معًا، وأقمنا بضيافة سامية في الفندق ذاته، فندق «الدار البيضاء»، وفيه شهدنا سيولًا عارمة كانت تجرف السيارات في شوارع مكة، وتخلّف وراءها أكداسًا متراكمة من الأنقاض. ومن ذلك يتبين أن الصلة الرابطة بيننا ناهزت عشرين سنة، وهي من أعزّ ما لديّ بين الصداقات، وقد كتبت عن شيء منها في «كتاب الأسفار».

يبدو مدخل هذه المقالة طويلًا لقصيري النَّفَس من القرّاء، ويكاد يفقدني غايتي، وهي الوقوف على قصة حب ساخنة، غير أنه تمهيد لما أريد قوله عنها، فبعد عشرة أيام من مقالتي في الفيسبوك، تلقيت فجر 2026-6-3 رسالة من الطعمة بالإيميل. وكان لها وقع الصاعقة عليّ؛ إذ أخبرني فيها بأن الانقطاع يعود إلى صعاب مرّ بها، تمثلت في إصابة زوجته أمل الخطيب بالسكتة الدماغية في 23 آب 2024، ثم رحيلها في 31 آب 2025، فبقي يرعاها بنفسه مدة سنة حتى توفيت. وإنه مأزوم لفراقها بعد زواج دام أكثر من سبعة عقود، وكان ذلك الفقدان ثقيل الوطء على عاشق في السادسة والتسعين من عمره. وبمعرفتي بذلك غدا فجر إسطنبول معتمًا عليّ، وكأن الليل أقبل لتوّه لا أدبر، وتضرّمت أسًى على ذكرى عميقة الوقع في نفسي. ففضلًا عما أكنّه للطعمة من تقدير خاص بوصفه باحثًا وأستاذًا وإنسانًا، فللسيدة أمل الخطيب، زوجته، حظ مماثل من التقدير. وقد بدا لي ذلك جليًا إبان الإقامة القصيرة في بيتهما في بلومنغتن. وآنذاك عرفت أنها نالت شهادتها في اللغة العربية من دار المعلمين العالية بجامعة بغداد. ولكن معلوماتي كانت أشبه بطيف من سراب. فإن كانت أمل قد تعلّمت في الدار العالية، فتكون قد حذت حذو طائفة من كبار المبدعين في العراق أيام استقراره.

تُعدّ دار المعلمين العالية من أقدم المؤسسات التعليمية في العراق، وقد تأسست عام 1923، بعد سنتين من إعلان الدولة العراقية الحديثة، وبدأت في قبول النساء منذ عام 1937، فأصبحت الدراسة فيها مختلطة. وتغيّر اسمها إلى كلية التربية بعد انقلاب عام 1958، وأُلحقت بجامعة بغداد، ثم انقسمت منذ الثمانينيات إلى كليتين، فحملت إحداهما اسم «كلية التربية - ابن رشد» للدراسات الإنسانية، وحملت الأخرى اسم «كلية التربية - ابن الهيثم» للدراسات العلمية. وخرّجت الدار عددًا وافرًا من أبرز المثقفين والعلماء العراقيين في العهد الملكي، من بينهم: طه باقر، ومصطفى جواد، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ولميعة عباس عمارة، وشاذل طاقة، وعاتكة الخزرجي، وسعدي يوسف، ومئات غيرهم. وبذلك أسهمت في تكوين النخبة الثقافية الأولى في العراق. ومن حسن الطالع أنني من خريجيها عام 1981، أي بعد نحو ربع قرن من وقوع قصة الغرام التي أنا بصدد الحديث عنها الآن.

وحيث إن صالح الطعمة كان أستاذا في الدار العالية، وتولّى مسوولية إدارية فيها، إثر عودته من جامعة هارفرد حاملًا الدكتوراه عام 1957، فطرَأ تعارف غير مدبّر بين الطالبة أمل والأستاذ صالح، وقد يكون هو الذي أوقعها في شباك الغرام، أو تكون هي، وذلك الأرجح، التي أوقعته فيها، فما أثار اعجابها فيه كونه شاعرا أكثر من كونه أستاذا. وفي رسائلها الغزيرة إليه تناديه «شاعري » لا «أستاذي» فدلّ ذلك على أن شغفها به شاعرا فاق كثيرا شغفها به أستاذا. فالحبّ ساوى بين الاثنين، وظلّ كذلك إلى النهاية، و أثمر عن زواج في مطلع عام 1959 دام قرابة سبعة عقود، وأعقب ذلك بسنوات أن غادرا العراق، حيث تقلّد هو مناصب أكاديمية مرموقة في الجامعات الأمريكية. أما هي فأكملت دراستها العليا، وعملت في مكتبة مدينة بلومنغتن ثلاثين سنة، وحينما التقيتها كانت مُحالةً على التقاعد.

طوال ذلك كانت أمل الخطيب مؤمنة بأنّ الحبّ لا يشيخ، وحرصت على تعليق لوحة في بيتها تحمل ذلك العنوان. ولم أكن أعلم أنها كاتبة موهوبة، وحظيت باهتمام أستاذها الناقد علي جواد الطاهر، وأنها كانت منكبّة على قراءة الروايات العربية والمترجمة إبان دراستها الجامعية. وربما تكون قد ورثت ذلك عن عائلتها، فأبوها مترجم له آثار منقولة عن التركية والإنجليزية. علمت بذلك حين بلغني نبأ وفاتها من رسالة الطعمة، وزاد عليه بأن أخبرني بصدور كتاب ضم رسائلها إليه قبل الزواج، وكان قرارها إصدارها في كتاب يحمل روح تلك التجربة. وقد تحقق ذلك بكتاب «1958 عام من الوَجد: سيرة حبّ واختيار مصير، رسائل طالبة جامعية»، حرّره الدكتور عبد العزيز السبيّل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية، ويسّر أمر نشره في الرباط بالمغرب عن المركز الثقافي للكتاب. والسبيّل أحد طلاب الطعمة في جامعة إنديانا بولِس. ومن المؤسف أن صاحبة الرسائل ودّعت الحياة قبل أن تُكحّل عينيها برؤية كتابها الوحيد، الذي خلّد تجربة حب فريدة من نوعها، وما أحاط بها من صعاب تغلّبت عليها كلها. وهو كتاب شُغف بكل ما للكلمة من معنى.

وبطلوع نهار إسطنبول، حيث جافاني النوم مما بلغني من الأخبار المؤلمة، اتصلت بالسبيّل في الرياض، وكدأبه في كل شيء أبدى استعداده لإرسال الكتاب بالبريد السريع فورًا إلى بيتي. غير أنني، وأنا أعصر الزمن بيديّ عصرًا كأنني أريد خنقه، أخبرته أن يرسله ملفًا محمولًا بالإيميل إن توافر لديه. ولم يطل الوقت حتى كان بين يديّ. والحال أنني كففت يديّ عن كتاب أضع عليه اللمسات الأخيرة، وهو يصاحبني منذ سبع سنين ليلًا ونهارًا حتى لا أكاد أنفذ من هيمنته عليّ، وبادرت إلى قراءة تلك الرسائل التي، بمقدار ما فيها من رومانسية، فيها من قوة التأكيد على الحب رغم الفوارق القائمة بين الحبيبين آنذاك. رسائل تدافع عن الحب دفاعًا ندر مثيله بين رسائل المحبين في التجارب الأولى لحبهم، وكانت تزداد عنفوانًا كلما قوبلت ببرود من طرف الحبيب، الذي لا يظهر فيها أنه يرتفع بالحب إلى درجة الغليان التي كانت عليها الحبيبة، فيتوارى خلف الصمت تقريبًا، ولا يظهر صوته إلا مضمّنًا في رسائلها. أما هي، الجريئة الصريحة، فكانت تكافح على أكثر من جبهة: جبهة الحب العاصف الذي نذرت نفسها له فلا يغيب إلا ليحضر، وجبهة الأب الذي ينثر في طريقها الأشواك ليصرفها عن حبّ حياتها، ثم جبهة ذلك الأخطبوط الفاتك بالعشاق كلّهم: الانتظار ، والقلق ، والأرَق.

أدرجُ كتابَ أمل الخطيب في مدار تجارب الحب الأول، حيث الشغف بالمحبوب يملك على العاشق عالمه، فلا يتبيّن دربه، وكأنه ضلّ سبيله، وليس له سوى كوّة وحيدة يطل منها على عالم يضيق به يومًا بعد يوم، وهو في انتظار نهاية حلم يريد أن تكون له خاتمة عاجلة وسعيدة، ولكن الحلم يطول ويتمدّد، ويمتنع عن أن يضع لنفسه نهاية سعيدة. وفضلًا عما احتوته الرسائل من بوح شفاف، وحبّ صادق، وعاطفة مشبوبة، فإنها تتنزّل في قلب الحقبة المفصلية من تاريخ العراق بين عهدين: عهد الملكية الذي أجهز الضباط عليه في عام 1958، وعهد الجمهورية الذي جاء بسيل من الآمال العظام، ولم يتحقق معظمها لأن البلاد انزلقت إلى مهاوي الردى منذ ذلك الحين، ولم تَفقْ منه إلى الآن، غير أن الانفعال بالتغيير، كما بانَ في الرسائل، جعل جيلًا جديدًا يبتهج به، وجيلًا قديمًا يحزن عليه. وكأن أمل الخطيب حسبتْ أن كل مَنْ اعترض على حبها يتعيّن أن يُوصم بأنه من الجيل السالف الذي يحول دون تحقيق أحلامها، وأنها تدفع بالأحداث دفعًا لتكون في حيازة الجيل الجديد الذي يمثل عندها الحب والحبيب. وبذلك لا تُقرأ رسائلها على أنها خطابات غرام من طرف واحد، فالأفضل ربطها بحالة الانعطاف التي عرفها العراق، وكانت هي شاهدة عليها قلبًا وعقلًا.

وتبدو، لمنْ لم يخضْ تجارب الغرام، الرسائل المعبّرة عن تلك التجربة غير مترابطة ومشتتة، ولا يجمع بينها جامع سوى المشاعر المتدفقة. وذلك ليس صائبًا بإطلاق، بل هو حكم مقيّد بحال الحب وبالمحبّين.

يمكن القولُ إن محور كتاب «1958: عام من الوَجد» هو روح مفعمة بالقلق، ونزّاعة إلى الحياة في عالم صُمِّم لكي يجهز عليها. وملاذ العاشقة هو الكلمات الملتهبة التي تُكتب برسائل كلّ يوم تقريبا، وأحيانا تُكتب فقراتها خلال ساعات النهار والليل، فتدرأ بها ضغط الواقع المحيط بها، ممثلًا بالأعراف الدارجة في المجتمع العراقي حول لزوم امتثال المرأة للنظام الأبوي. فالكتاب أرشيف للذات الفردية وخزان للذاكرة الجماعية. ولأهمية الرسائل عند صاحبتها، فقد تضاعف خوفها من ضياعها، كأن فقدانها ينذر بمحو تجربة الحب التي عاشتها بكل مشاعرها.

ومن مجموع الرسائل يمكن استدراج حبكة عامة تنتظم الكتاب، تتمثل في قطبين متضادين: الأب المعارض للزواج، والشاعر المعشوق. مثّل الأب السلطة الأبوية والتقاليد الموروثة، تلك القوة الجبارة التي تُخضع الأفراد باسم الأعراف، وتفرض الطاعة باسم الفضيلة، على الرغم من كونه رجلًا مثقفًا وضليعًا في الآداب الأجنبية، وله ترجمات منها. لكنه، كما تقول ابنته، «فظّ، وأناني، وشرير» في كل ما يتصل بسمعة عائلته. ولم تقتصر الرسائل على التشكّي من سلطته، بل بينها رسالة جريئة كتبتها أمل لأبيها تقطع فيها بعزمها على خوض تجربة حياة زوجية أدبية بعيدًا عن قيود العائلة. وفي المقابل يظهر الشاعر المحبوب رمزًا للحرية والحياة السعيدة الممكنة، وينال أحيانًا التقريع لأنه لا يرتقي إلى مقام المحبوبة في المثابرة على الشغف والتعبير عنه. وتمعن الرسائل في كشف التعارض بين الأب والحبيب. ومن ثم يمكن القول إن النزاع الذي عاشته الكاتبة لا ينحصر في إطار علاقتها بالشاعر الذي كانت تحبه، بقدر ما كانت تتطلع إلى إسقاط النموذج الأبوي الذي يحتكر تعريف هويتها ويهيمن عليها. وكانت تحسب أنها بالحب وحده تستردّ تلك الهوية.

ولما كان التناقض لا ينحلّ بيسر في مثل تلك الأحوال المعقّدة، حيث كان الحبيبان من مذهبين مختلفين، ومن مدينتين مختلفتين، وحتى من مستويين علميين مختلفين، فإن الرسائل تداوم على إيقاد جمر الأشواق، وبيان ضروب الحرمان، لتخطّي تلك الصعاب. فيمتلئ الكتاب بصور الندى والعطور والأزاهير والتنهدات، وشذرات من الأغاني العاطفية الشائعة في منتصف القرن العشرين، ومقاطع شعرية لبعض شعراء ذلك الزمان، وكأنها تعلن أن الإنسان العاشق لا يُعرَّف بما يمتلك، بل بما يفتقد إليه. وكأن الإنشاء المتدفق تعويض عن اللقاء بالحبيب. وبعد تخرج أمل الخطيب، ولكن قبل الزواج من الطعمة، ازداد تدفق الرسائل إلى الحبيب في بغداد من كركوك، «ذات الينبوع الناري»، أو مدينة «النار التي تنبع من التراب»، أو «مدينة النار الخالدة»، وكأنها تتقد بلهيب النار الأزلية فيها. وقد عكفت صاحبتها على القراءة في انتظار ساعة الفرج «كل حرف أقرأه أرى فيه ضوءًا عنيفًا من القدر»، فيما أخذ المحبوب يترقى وظيفيًا، وكثرت أسفاره، وذاعت أخباره، وهي تلح عليه أن يكتب لها أينما كان. وقد قرأت دوستويفسكي وتورغينيف وغوركي وساغان وسارتر.

وتحاشيًا للإفصاح عن اسمها بدأت تكتب باسم «جميلة». وقد ضاق بها عالمها حتى جفّ غصنها، وهذا مما كتبته «في الصباح، الكلمات جافة كريح الخريف. غريب أمري، فإنني أحس أحيانًا بأنني خُلقت من تراب فقط، ولم تدخل قطرة ماء في وجودي، وكأن يديّ قطعتا خشب لم يُخلق فيهما ندى قط! لا تلمني، فالفراغ السحيق الذي يحيط بي، فراغ في قسوة الظلام. هذا الفراغ من الوجود الحقيقي هو الذي يحيلني إلى قطعة خشب نضب فيها الرواء». ذلك هو «الفراغ الرمادي» الذي أطبق على عالمها الخارجي، وهو يناظر «العويل الرمادي» الذي يعتمل في أعماقها. فتصاعد الشوق، محمولًا بإنشاء متدفق، كناية عن شعور بغياب الحبيب الذي ما برح صوته مكتومًا، وفجأة تنتبه إلى حالها، فتكتب «كثيرًا ما سخرت من أبطال القصص حين يكون الشوق عنيفًا حتى يبكيهم، وها أنا أبكي، ويتلوّى في دمي العبير. أتعذب، وأتمزق يا حبي». ثم تختم: «أحبك. ولو قطعوا لساني لقلتها لك بعيني. ولو حفروا عينيّ لقلتها لك بشعري. ولو أحرقوا شعري لكتبتها بيدي. ولو كسروا قلمي، هذا الذي كتبت به "أحبك"، لقلتها لك بدمي: أحبك».

ومن أجل السيطرة تلك الحيرة التي عانتها شابة مثقفة ومتطلعة، أسرتها التقاليد من جهة، وجذبها الحب من جهة أخرى، لجأت إلى حيلة العشاق الثابتة، وهي بناء يوتوبيا تتمثل في الشموع التي تضيء ملاذها الذي كانت تحلم به. فحلمها ليس قصرًا منيفًا تقيم فيه، ولا ثروة طائلة تستمتع بها، بقدر ما هو بيت صغير تقيم فيه كتب الأدب، والصحبة الطيّبة التي تربطها بمن تحب. فالسعادة تُبنى على المشاركة الوجدانية والروحية لا على الامتلاك والحيازة. وتمثل الشموع صورة لعالم جديد مضاء بالثقافة والحوار في مواجهة عالم الأب القائم على الخوف والانغلاق. ومنزل الأحلام كناية عن وطن تتوق إليه العاشقة الشابة، وطن يكون مهمًا بمقدار ما يمنح أهله من حرية، لا بما يراكمه لهم من ثراء مادي.

ولعل أكثر ما يميز تلك الرسائل قدرتها على ربط الخاص الذي تشعر به الكاتبة بالعام الذي يدور في البلاد؛ فقد كُتبت في لحظة التحول التي شهدها العراق بالانتقال من الملكية إلى الجمهورية. ويظهر الحدث الذي حقق الإبدال كمرآة لحلم تمكّن من روح العاشقة. فكما كان المجتمع يسعى إلى التخلص من تقاليد بالية ورثها عن عقود سالفة، كانت العاشقة تسعى إلى التحرر من قبضة أبوية تحكم حياتها الخاصة. فيغدو اختيار المرأة لشريكها كأنه فعل من أفعال التمرد على النظام الأبوي، ويكون الحب خيار انعتاق أكثر من كونه تجربة غرام.

ويتصل شيء من ذلك بسؤال الهوية الأنثوية الذي يلازم الرسائل كلها تقريبًا. فأمل الخطيب ترفض أن تُختزل في تعريف اجتماعي جاهز؛ فالذات الأنثوية أكثر غنًى من الصور النمطية التي يخلعها المجتمع عليها. ولكن ما مصدر ذلك التنوع المقاوم للنمطية التي يُراد بها حبس شابة تتطلع إلى اللقاء بحبيب العمر؟ إنه الشغف بالموسيقى والأدب بدفعٍ من الحبّ. فتتماهى مع الفنانين والكتّاب، وكأنها تستعير تجاربهم قناعا لها، ولا يؤدي ذلك التماهي وظيفة تكميلية في الكتاب، بقدر ما يضع تجربتها الذاتية في أفق أشمل. أما المفارقة الملفتة في الرسائل، فتتمثل في أن الحب نفسه قد يواجه خطر الذبول حين يقترب من تحقيق غايته. فالزواج، الذي يُفترض أن يكون تتويجًا للعاطفة الجياشة التي تعمر الكتاب بكامله، قد يهدد سحر العشق، أي يهدد اليوتوبيا اللابثة في الخيال، إذ تخشى العاشقة أن تؤدي الأطر الزوجية والاجتماعية إلى حبس الطاقة الفوارة التي منحت الحب كل معناه السابق.

ويصحّ القول إن كتاب «1958: عام من الوَجد» أكثر من قصة حب طوتها رسائل تعود إلى زمن مضى؛ إنه، بمعنى من المعاني، ميثاق حول حق المرأة في أن تكتب ما تشاء، وتختار من تحب، وتفكر وتحلم كما يحلو لها. ويمثل الكتاب، في تقديري، شهادة على ولادة ذات إنسانية عاشقة راحت تسعى إلى أن تشق طريقها بين أنقاض عالم قديم. فالكتاب، في جوهره، لا ينتظر الحبيب وحده ليتحقق ميثاق الحب فيه، بل ينتظر زمنًا يصبح فيه الحب والحرية والكتابة أسماءً لشيء واحد.

وقد خُتم الكتاب بملحق من شذرات كتبها الطعمةُ يواسي فيها حبيبته في مرضها، وإيداعها في «بيت رعاية الذاكرة»، وهو بالقطع غير تلك اليوتوبيا التي حلمت بها شريكته في زمن قديم، إذ لا بد أن يكون له صوت في كتاب حبيبته ليتحقق نوع من التكافؤ في المشاعر التي غزت الكتاب غزوًا كاملًا. فكتب لها مناديًا إياها بالعبارة الاتية «عمري، يا أملي»، دون أن تتمكن هي من قراءة ما كتب؛ فقد وافتها المنية، وتركته يواجه صعاب العزلة في شيخوخته المتقدمة.

++

ملحق .هذا رابط المقالة الاستعادية المنشور في صفحتي يوم ٢٣-٥-٢٠٢

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10167448649818056&id=778748055

All reactions:

66

حمد البليهد

صديقي الدكتور عبد الله، أظن أن القيمة الأعمق في هذا النص أنه لا يتعامل مع الحب بوصفه واقعة وجدانية معزولة، بل بوصفه بنية ثقافية تكشف ما حولها: السلطة الأبوية، قلق الهوية، تحولات العراق السياسية، وحق المرأة في أن تختار وتكتب وتعلن رغبتها.

رسائل أمل الخطيب، كما تظهر في قراءتك، لا تخص عاشقين وحدهما؛ إنها تنتمي أيضًا إلى تاريخ اجتماعي وثقافي أوسع. فيها تتقاطع العاطفة مع سؤال الحرية، ويتحول انتظار الحبيب إلى شكل من أشكال مقاومة المصير المفروض. ولهذا لا تبدو أمل مجرد صاحبة رسائل غرامية، وإنما كاتبةٌ تدافع بالكلمات عن حقها في أن تكون ذاتًا مستقلة.

هذه القراءة تربط بذكاء بين الخاص والعام من دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فالحب هنا طريقة في كشف التاريخ لا هروبًا منه. والتاريخ هنا ليس أحداثًا كبرى فقط؛ إنه أثرٌ في الجسد والبيت والعائلة والرسائل والانتظار.

ومن هنا تصبح قصة صالح الطعمة وأمل الخطيب أكثر من حكاية وفاء نادرة؛ إنها نص عن الذاكرة، وعن هشاشة الإنسان أمام الفقد، وعن قدرة الكتابة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الغياب، بما يجعلنا نرى في الرسائل الشخصية وثيقة حياة كاملة.

ولعل عنوانك يا صديقي «عشقٌ كاملُ الأوصاف» يفتح سؤالًا لا يقل عمقًا عن الحكاية نفسها: هل يكون العشق خالدًا بغير نقصه الدائم؟

2d

Reda Aneste

بقراءة هذا المقال الشیّق تداعت لي قصص حب لمفکرین وأدباء متعددین: نیتشه وسالومي

هایدغر وحنه آرندت

کافکا ومیلینا

جبران ومي

غسان وغادة.

ویبدو أن نجاح قصة الحب هذه المرة حتی ضمن مؤسسة الزواج الذي غالبا ما هو مقبرته، تحوله وارتفاعه إلی مرتبة الصداقة ووجود مشترکات فکریة وعاطفیة تمکن من فهم وتواصل الطرفین وعدم انقطاع خیط الحوار والفهم یولد الحب ولیس العکس بالضرورة.

إن الحب بهذه المرتبة یستحق أن یکون ما تحبّر وتدبّج فیه رسالة الوحید التوحیدي"الصداقة والصدیق" ففیه"شفاء للصدر، وبرد للغليل، وتعليل للنفس".

ولقد أشار أدونیس إلی هذا المعنی بما هو مضمونه: لن ینجح الحب إلا حین یقول الواحد للآخر: یا صدیقي.

وفي خاتمة هذا التعلیق یظلّ سؤالا معلّقا في ذهني هل جرفت موجة حب کهذه صاحب "الأمواج" رغم اعترافه الصریح بما للنساء من دور مهم ومصیري في خصب حیاته القاحلة في حقبة الاستبداد وفي یباب لیبیا حتی تحوّله واستقراره في واحة الدوحة.

________

*أعود إلى الفضاء الأثيري بعد انقطاعٍ دام قرابة ثلاثة أشهر في الأهواز، وممّا هوّن علي احتمال محابس البُكم والصمم والعمى أسفارُ وسِيَرُ من نسق وجبلة "الأمواج"...

**الأمواج سیرة وشهادة ثمینة علی العصر لصاحب المقال الدکتور عبد الله إبراهیم.

2d

Kamal Abu-deeb

انت تعطي كتابة المذكرات نكهة مختلفة وجميلة وتسرد بلغة مباشرة أقرب إلى العفوية. ا أعرف إلا صديقا واحدا غيرك صنع نصوصه من مذكراته اليومية وكتب روايات متميزة كتبت عن اثنتين منها

هو هاني الراهب له الرحمة

محبتي

2d

Adel Al-osta

رحم الله أمل الخطيب وأمد في عمر الدكتور صالح الطعمة وفي عمرك .

مقال جميل

وشكرا دكتور عبدالله

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 10103 الكلي 15885584
الوقت الآن
الخميس 2026/6/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير