الحارس الأخير للأخلاق
مجيد الكفائي
“إن لم تستحِ فافعل ما شئت” هذا المثل القديم ينطبق حرفياً على كثير من الناس في هذا الزمان لأن الحياء لم يكن يوماً مجرد خجل أو تردد بل كان رقيباً داخلياً يمنع الإنسان من تجاوز الحدود التي لا يراها القانون أحياناً لكن تراها الفطرة السليمة.وحين يضعف الحياء يصبح الكذب مهارة والتجاوز شطارة والإساءة حرية شخصية ويُمارس الظلم أحياناً من دون شعور بالذنب أو تأنيب ضمير .نرى من يسيء ثم يطالب بالاحترام، ومن يخطئ ثم يبحث عن المبررات ومن يتجاوز على حقوق الآخرين وكأن الأمر حق مكتسب لا يستوجب اعتذاراً .لقد كان الحياء عبر التاريخ زينة الأخلاق فإذا غاب لم يبقَ ما يمنع النفس من الانحدار إلا الخوف من العقوبة. أما صاحب الضمير الحي فإنه يتوقف قبل الفعل، ويسأل نفسه: هل يليق هذا بي؟ وهل أرضاه لغيري؟ وهل أستطيع أن أواجه به نفسي قبل أن أواجه الناس؟ولعل أخطر ما في زماننا أن بعض الناس لم يكتفوا بفقدان الحياء بل صاروا يتفاخرون بما كان يُستحى منه حتى اختلطت المفاهيم وأصبح الوقار ضعفاً عند البعض والتطاول جرأة والادعاء نجاحاً والصخب بديلاً عن القيمة الحقيقية.ويبقى الحياء مهما تغيرت الأزمنة أحد أهم ما يحفظ للإنسان إنسانيته لأنه الحارس الذي يقف بين الرغبة والخطأ وبين القدرة على الفعل والحكمة في الامتناع عنه. فإذا سقط هذا الحارس أصبح كل شيء مباحاً في نظر صاحبه وإن كان مرفوضاً في نظر الناس والتاريخ والضمير .