تطواف الغريب (22)
حسن النواب
رنَّ هاتفي الجوّال، وكان على الطرف الآخر صديقي الشاعر الشعبي الحنون لامي ناصر، وهو يدعوني للحضور على الفور إِلى مطعم عايدة الكائن في شارع وليم ستريت والقريب من مركز مدينة بيرث الأسترالية. كان ذلك في عام 2004. لم أتردد لحظة، فقد كنت أحتاج إلى جلسة حميمة تحمل فوق جناحيها رائحة الوطن وتزيح عني عناكب الوحشة التي كانت تحاصرني. خرجت مسرعًا، والنسيم البارد يلامس وجهي، بينما أضواء المدينة تتلألأ كحبات لؤلؤ متناثرة على صفحة الليل. وصلت إلى المطعم، فاستقبلني ناصر بابتسامته المعهودة وعناقه الدافئ. جلسنا إلى طاولة تطلُّ على الشارع، حيث المارة يعبرون بخطوات متباينة، بعضهم مسرع كأن الزمن يطارده، وآخرون يسيرون ببطء وكأنهم يسرقون لحظات من الحياة. بدأنا حديثنا عن الشعر، عن الحنين، وعن تلك الأيام التي كانت تجمعنا في بغداد. كان ناصر يروي أبياته بصوت رخيم، يملأ المكان دفئًا، بينما كانت رائحة القهوة العربية تعبق في الأجواء. عقدت لساني الدهشة؛ إذْ لم أتوقع ذات يوم أن يكون هنا في أستراليا من يتذكر تلك الأوبرا الخالدة التي تتحدث عن أقدم قصة حب في التأريخ؛ بعد اكتشاف مخطوطات تلك الأوبرا من قبل عالم فرنسي في وادي النيل، وكانت عبارة عن قصة من أربع صفحات تحكي عن ذلك الحب الذي نشأ بين الأسيرة الحبشية عايدة وقائد الجيش المصري راما ديس، والذي حكم عليه فرعون مصر بالإعدام؛ حين اكتشف محاولته للهرب مع عايدة إِلى الحبشة، وكانت طريقة إعدامه مثيرة للعواطف حيث أمر بدفنه حيّاً أسفل مذبح بيت الرب؛ وهناك داخل مقبرة موحشة كانت عايده تنتظره لتموت بين أحضانه. وإذا كان الموسيقار الإيطالي جوزيبي فريدي (Giuseppe Verdi) هو من وضع الموسيقى لأوبرا عايدة بطلب من الخديوي إسماعيل عام 1870 احتفالًا بافتتاح قناة السويس، وإذا كانت الديكورات الضخمة والتي وصل وزنها إِلى خمسة أطنان من الأثاث والملابس المتنوعة والإكسسوار الخاص؛ قد تسببت في إعلان حالة الطوارئ في مطار بكين وهي تستعد لعرض هذه الأوبرا الشهيرة؛ بعد أيام؛ في دار الأوبر الخديوية في القاهرة، فأن الأمر هنا في أستراليا مختلف تمامًا، وأنت تدخل إِلى مطعم عايدة المطل على شارع «وليم ستريت» والذي يشرف على إدارته الأخ حُسني بطاقيته المصرية. كان المكان مرصَّعاً بالتحف الفرعونية والسجاد العربي المزخرف الألوان، ورأيت موائد المطعم تزدحم بالعوائل الأسترالية التي تعشق عوالم الشرق؛ مع بعض النسوة الشقراوات اللائي كنَّ ينفثنَّ دخان الأراجيل إِلى فضاء المكان المرنَّم بأغنية أمل حياتي للسيدة أم كلثوم، بينما تجمَّع ثلَّة من الطلبة الذين وفدوا من الخليج للدراسة في الجامعات عند ركن قصي من المطعم. أحسست كأني أجلس في مطعم في قلب القاهرة تفوح منه نكهة مصرية واضحة مع شجن عربي تطرب لألحانه الروح وتنشرح النفوس، بينما احتلت صورة عايدة الحبشية واجهة أحد الجدران، في ذلك الجو الشرقي الذي افتقدته منذ سنوات وجدت روحي تصدح بأغنية الليلة حلوه.. حلوه وجميلة مع صديقي الشاعر الشعبي «أبي زمن»، ولمحتُ دموع الحنين تهطل من عينيِّ أحد الطلبة العرب، سرعان ما اشترك دمعي معه شوقًا لتلك الأيام التي لم نصدق أنها عادت من جديد في هذه الأمسية، وبلمسة مصرية لا تخلو من الوفاء والذكاء. ومع تصاعد نبرات أغنية كوكب الشرق التي شدّت حواس الزبائن الأستراليين نسوة وشبانًا وصبايا، كانت أجواء ذلك المطعم الفرعوني تبعث برسالة ثقافية عربية رصينة إلى مدارك المجتمع الأسترالي الذي صار يرقص ويغني معنا في ذلك المساء الشتوي على أغنية الليلة حلوه.. حلوه وجميلة. غادرنا المطعم بعد ساعات، والليل ما زال يحتضن المدينة. كان في قلبي امتنان لتلك الدعوة المفاجئة، ولصديق يعرف كيف يوقظ فيك أجمل ما في الذاكرة، مع أنَّ هاجس السؤال الذي كان يحاصرنا في تلك اللحظات هو.. هل يا ترى أنَّ الحياة حلوة وجميلة هناك في البلاد…؟
الشاعر الشعبي «لامي ناصر» رحل قبل عام ودُفن في مدينة بيرث. يتبع…