حسن النواب
لم أشعر بأهمية وضرورة ومنفعة تنور الطين إلاّ في غربتي، بل أقول حاجتي الروحية لهذا التنور القروي أراها تسبق إشباع رغبتي بتناول الخبز العراقي منهُ، برغم أنَّ منظر الرغيف ورائحته المذهلة وهو يخرج من التنور الطيني؛ تثير في مشاعري شهية للطعام لا حدود لها، وكنت أشعر بالتوجع المر خلال مكوثي في الأردن، حين تعود بي الذاكرة إِلى تنور الطين الكائن في ركن الحديقة من بيتنا الحكومي الشاسع في قضاء «المناذرة»، ذلك التنور الذي ما زلت أذكر أنَّ رماد حطبه؛ حين كانت تلقي به أمي رحمها الله إِلى خلف السياج قد ارتفع بشكل لافت وصار يوازي ارتفاع سور البيت بقامته الرمادية. ويا لها من لحظات مليئة بالترقب والحبور حين يسجر تنور البيت قبل الغروب بأعقاب السعف السمراء، بينما أجلس مع باقي إخوتي وأخيّاتي على مقربة منه ونستمع إِلى طقطقة الحطب المحترق ونحن بلهفة لخروج أول رغيف حار من فم التنور المصنوع من طين الفرات. تلك المشاهد والذكريات عن التنور تزاحمت في خاطري بشكل عاصف حين وصلت إِلى أستراليا، وصارت لهفتي لرغيف الخبز العراقي؛ توازي لهفتي لزيارة قبور أحبائي الراحلين هناك في البلاد. بتُّ أبحث عن أية وسيلة يمكن من خلالها الحصول على رغيف خبز بصناعة تنور عراقي إِلى مائدة الطعام، ولا تستغربوا لو أخبرتكم حين سنحت لي فرصة زيارة مدينة سدني، لم أرجع منها إلاّ بعدد من أرغفة خبز «العروك» كأغلى هدية ثمينة إِلى أم الجهال. لم أصدق وغمرت قلبي فرحة عاصفة حين رأيت هناك مخبزًا عراقيًا في ضاحية فير فيلد، تلك الضاحية التي تظن أنها منطقة البتاوين في بغداد عندما تتجول في شارعها الرئيس، بل هي البتاوين في مقاهيها ومطاعهما الشعبية ومحلات البقالة لبيع الخضار ومشتقات الحليب واللهجة البغدادية المحببة تسمعها بوضوح من الذين يقطنونها، أغلبهم من الأخوة المسيحيين، وعند جسر سدني الشهير أشار أحد الأصدقاء إِلى المكان الذي كان يجلس فيه «جان دمو» كل يوم متأملا طيور النورس. كان المكان عبارة عن رصيف طويل يحاذي نهر ساوث ويلز، يجتمع عليه كل صباح رسامون وشعراء ومشردون ومدمنون ومقامرون وغرباء ومهربو بشر وبائعو مقتنيات نادرة وحاجيات رخيصة، وتذكرت عندما هاتفني الشاعر العراقي غيلان وأخبرني بنبرة حزينة أنَّ «جان دمو» فارق الحياة، اهتز بدني بعنف عندما تلقيت النبأ، لكني ظننتُ أنه يمزح معي. في ذلك الوقت لم يمض على وصولي إِلى مدينة بيرث سوى شهرين، وكنت عازمًا على زيارته في مدينة سدني حالما يستقر وضعي العائلي من حيث المسكن والمشرب. وها أنا الآن أقف واجمًا أمام المكان الذي كان يجلس فيه، تأكدت من موت جان، فالشوارع ما عادت تتحمل خطواتي، والأشجار لا تسمح لي بالاتكاء على جذوعها، والأرصفة تحتج على عقب سيجارتي عندما أقذف به إِلى حوافها، والقطط هي الأخرى ما عادت تشاركني مزتي وطعامي، والمطاعم التي أدخلها صارت تطالبني بأجور الطعام، والحافلات التي أصعدها ما عاد ركابها يفسحون المجال لكي أجلس على مقعد فارغ أصلا. صار ليلي نهارًا ونهاري ليلا بعد رحيل جان، اليوم تأكدت من موت جان، ذلك أني هاتفته عندما صعدت المترو، وكل ظني أنه سيتعقب خطاي، وحين وليت وجهي إليه وجدت كل الناس هنا هم يشبهون جان لكنه لم يكن بينهم، صحت جان بالعربية أولًا، أعني ناديت عليه حبيبي جان تعال هنا، ثم أدركت أني في بلد يتحدث لغة أخرى فقلت:
– please my dear come here.
ولكن دون جدوى، جان لم يأبه لي والمترو على وشك الانطلاق، ظننت جان مازال يتشاجر مع الشرطي المخافر في ساحة الميدان، وهبطت من المترو بحثًا عنهُ..
يتبع…