الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف كشفت الحرب الأخيرة هشّاشة الإقتصاد الريعي ؟

بواسطة azzaman

من المرض الهولندي إلى التوعّك العراقي

كيف كشفت الحرب الأخيرة هشّاشة الإقتصاد الريعي ؟

 

حازم محمود حميد النعيمي

 

في علم الاقتصاد يُستخدم مصطلح المرض الهولندي لوصف الاختلال الذي يصيب بعض الدول الغنية بالموارد الطبيعية حين يؤدي الاعتماد الكبير على مورد واحد مثل النفط أو الغاز إلى إضعاف بقية القطاعات الإنتاجية ولا سيما الصناعة والزراعة. وقد ظهر هذا المفهوم بعد تجربة هولندا في ستينيات القرن الماضي عندما أدى اكتشاف الغاز الطبيعي إلى تدفق الإيرادات وارتفاع قيمة العملة، الأمر الذي أضعف القدرة التنافسية للقطاعات الأخرى وأحدث خللا في بنية الاقتصاد. لكن ما يعانيه العراق اليوم يتجاوز هذا الوصف التقليدي. فالمشكلة لم تعد مجرد تراجع القطاعات غير النفطية بسبب هيمنة النفط، بل تحولت إلى حالة أعمق يمكن وصفها بـ»المرض العراقي» حيث أصبح النفط ليس قطاعا اقتصاديا مهيمنا فحسب، بل العمود الذي تستند إليه الدولة بأكملها وحتى يهدد وجودها. وتتمثل أبرز مظاهر هذا الخلل في أن النفط يوفر أكثر من 90 بالمائة من إيرادات الدولة، بينما لا تشكل الإيرادات غير النفطية سوى أقل من 10 بالمائة من إجمالي الإيرادات العامة.

اختلال اقتصادي

لقد أثبتت الحرب الأخيرة أن الاقتصاد العراقي لا يزال شديد التأثر بأي أزمة إقليمية أو تقلب في أسواق الطاقة. وإذا كان المرض الهولندي يصف اختلالا اقتصاديا ناتجا عن هيمنة الموارد الطبيعية فإن «المرض العراقي» يصف مرحلة أكثر تعقيدا، يصبح فيها النفط بديلا عن الاقتصاد نفسه، وتصبح الدولة والمجتمع معا رهينتين للتقلبات السياسية والاقتصادية الخارجة عن ارداتها.  فلا تقتصر هشاشة الاقتصاد العراقي على الاعتماد المفرط على النفط كمصدر للإيرادات، بل تمتد إلى معظم مفاصل النشاط الاقتصادي. فضعف القطاع الخاص وتراجع مساهمة الصناعة والزراعة والاعتماد الكبير على الاستيراد لتلبية الاحتياجات الغذائية والاستهلاكية والصناعية، كلها مؤشرات على اختلال هيكلي عميق. كما يعاني النظام المصرفي من محدودية دوره في تمويل التنمية في حين لا تزال البنية التحتية وقطاع الطاقة والخدمات العامة عاجزة عن تلبية متطلبات النمو الاقتصادي رغم عقود من الإنفاق الحكومي الضخم. وهناك ايضا تضخم كبير في الجهاز الحكومي ليضم نحو عشرة ملايين من الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية، في ظل عجز القطاع الخاص عن خلق فرص عمل كافية بسبب ضعف الاستثمار والإنتاج. وهكذا تحولت الوظيفة الحكومية إلى الملاذ الاقتصادي الأول للمواطن وأصبح الإنفاق الحكومي المحرك الرئيسي للسوق بدلا من الإنتاج والاستثمار.

هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ الاقتصادي فقد عانت فنزويلا من الاعتماد المفرط على النفط حتى انهار اقتصادها مع تراجع الأسعار وسوء الإدارة، بينما واجهت نيجيريا لعقود طويلة تحديات مماثلة تمثلت في ضعف التنويع الاقتصادي واستشراء الفساد المرتبط بالعائدات النفطية. وعلى النقيض من ذلك، نجحت النرويج في تحويل ثروتها النفطية إلى مصدر قوة مستدامة عبر إنشاء صندوق سيادي يعد الأكبر في العالم واستثمار العائدات في التنمية والتعليم والبنية التحتية مع الحفاظ على اقتصاد متنوع ومؤسسات قوية. كما تقدم الإمارات العربية المتحدة نموذجا مختلفا في التعامل مع مخاطر المرض الهولندي. فعلى الرغم من اعتمادها التاريخي على النفط، تبنت منذ عقود سياسة تنويع اقتصادي واسعة النطاق هدفت إلى تقليل مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي. واستثمرت عائدات النفط في تطوير قطاعات الطيران والخدمات اللوجستية والسياحة والتجارة والخدمات المالية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. واليوم أصبحت مدن مثل دبي وأبوظبي مراكز إقليمية وعالمية للأعمال والاستثمار، بينما تراجعت أهمية النفط نسبيا في الاقتصاد الوطني مقارنة بعقود سابقة. وتُظهر التجربة الإماراتية أن الثروة النفطية لا تؤدي بالضرورة إلى الوقوع في فخ الاقتصاد الريعي إذا ما استُخدمت لبناء قطاعات إنتاجية وخدمية متنوعة قادرة على توليد الدخل وفرص العمل بعيدا عن تقلبات أسواق الطاقة وقد حذر عدد من أبرز الاقتصاديين العالميين من هذه المخاطر منذ عقود. فالخبير البريطاني ريتشارد أوتي، الذي صاغ مفهوم «لعنة الموارد»، رأى أن الدول الغنية بالثروات الطبيعية كثيرا ما تحقق نتائج تنموية أضعف من دول أقل ثراء بسبب ضعف المؤسسات وسوء إدارة العائدات. كما يؤكد الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس أن الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية يؤدي إلى إهمال القطاعات الإنتاجية ويجعل الاقتصادات أكثر عرضة للصدمات الخارجية وأن الثروة الطبيعية قد تتحول إلى مصدر لعدم الاستقرار عندما تفشل الحكومات في بناء مؤسسات قوية وآليات شفافة لإدارة الإيرادات وان الاقتصادات النفطية تميل إلى توسيع الإنفاق الحكومي والاعتماد على الريع بدلا من تشجيع الإنتاج والابتكار، الأمر الذي يضعف القطاع الخاص ويعمق الفساد على المدى الطويل.

وفي العراق، لا يقتصر التحدي على الاعتماد على النفط فحسب، بل يمتد إلى ملف الفساد الذي رافق القطاع النفطي لعقود. فعلى الرغم من أن النفط يمثل المصدر الرئيسي لثروة البلاد، فإن جزءا كبيرا من عائداته لم ينعكس على مستوى الخدمات أو التنمية الاقتصادية. وقد أسهمت العقود غير الشفافة وضعف الرقابة والهدر المالي في استنزاف موارد كان يمكن أن تؤسس لاقتصاد أكثر قوة وتنوعا. ولم يعد الحديث عن الفساد في القطاع النفطي مسألة نظرية، فقد كشفت التحقيقات الأخيرة المتعلقة بمسؤولين كبار في وزارة النفط عن استمرار شبكات الفساد في أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، وهو ما يعمق أزمة الثقة ويبدد جزءا من العوائد التي كان يمكن توجيهها للتنمية والاستثمار.

اصلاحات هيكلية

ويواصل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التحذير من مخاطر الاعتماد المفرط على النفط والدعوة إلى إصلاحات هيكلية تشمل تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار وإصلاح الإدارة المالية العامة. فالمشكلة ليست في حجم الثروة التي يمتلكها العراق، بل في كيفية إدارتها وتوظيفها.

إن التحدي الحقيقي أمام العراق ليس زيادة إنتاج النفط أو ارتفاع أسعاره، بل بناء اقتصاد يستطيع العيش حتى عندما تنخفض الأسعار أو تتعطل الصادرات. فالدول لا تُقاس بما تملكه من موارد بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى تنمية مستدامة. وما لم يتحقق ذلك، سيبقى العراق عرضة لكل أزمة خارجية مهما بلغت ثرواته الطبيعية.

□  مدير عام دائرة البحوث والدراسات / رئاسة الجمهورية

 


مشاهدات 31
الكاتب حازم محمود حميد النعيمي
أضيف 2026/06/06 - 2:11 AM
آخر تحديث 2026/06/06 - 3:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 180 الشهر 4865 الكلي 15880346
الوقت الآن
السبت 2026/6/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير