الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الوصاية الفكرية والإقتصاد السياسي للتنمية

بواسطة azzaman

قبل أن نبني الدولة علينا تحرير العقل

الوصاية الفكرية والإقتصاد السياسي للتنمية

أسامة أبو شعير

 

هل يمكن لدولة أن تبني مؤسسات قوية، وتنتصر على الفساد، وتحقق تنمية مستدامة، إذا بقي العقل الذي يديرها أسيراً للوصاية الفكرية؟

في مقالين سابقين، تناولت مفهوم “الاستقرار السلبي” بوصفه نمطاً ينجح في منع الانهيار أكثر مما ينجح في صناعة المستقبل، ثم ناقشت مؤشرات “عودة الدولة” وما إذا كان العراق بدأ فعلاً يغيّر قواعد اللعبة عبر تعزيز سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتقوية مؤسسات الدولة. لكن يبقى سؤال يسبق كل إصلاح سياسي أو اقتصادي: هل يكفي إصلاح المؤسسات إذا بقيت الثقافة التي تديرها على حالها؟

فالتنمية المستدامة لا تبدأ من القوانين وحدها، بل من العقل الذي يضعها، والثقافة التي تطبقها، والمجتمع الذي يحاسب عليها.

إن الوصاية الفكرية ليست مجرد قضية ثقافية، بل قضية في صميم الاقتصاد السياسي؛ لأنها تؤثر في جودة القرار العام، وكفاءة المؤسسات، وسيادة القانون، وعدالة الفرص، وقدرة المجتمع على الابتكار.

ولا تعني الوصاية الفكرية وجود مرجعية دينية أو علمية أو ثقافية، فكل المجتمعات تحتاج إلى مرجعياتها. لكنها تبدأ عندما تتحول المرجعية إلى احتكار للحقيقة، ويصبح السؤال موضع ريبة، والنقد خروجاً على المألوف، والطاعة قيمة تتقدم على التفكير، والانتماء معياراً يسبق الكفاءة.

تيار سياسي

ومن المهم التأكيد أن الوصاية الفكرية ليست حكراً على دين أو مذهب أو تيار سياسي، بل هي نمط في التفكير قد يظهر في أي بيئة يتحول فيها الرأي إلى حقيقة لا تقبل المراجعة، أو يصبح الانتماء أهم من الدليل. ولذلك فإن نقدها ليس نقداً لعقيدة أو هوية، بل دفاع عن ثقافة تجعل البرهان أقوى من المكانة.

ولا تستمر الوصاية الفكرية بالقوة وحدها، بل تُعاد إنتاجها عبر منظومة تبدأ في التعليم عندما يُكافأ الحفظ أكثر من التفكير، وتمتد إلى الإعلام عندما يحل التلقين محل الحوار، وإلى الإدارة عندما تُقدَّم الطاعة على المبادرة، وإلى السياسة عندما يصبح الولاء طريقاً أقصر من الجدارة. ويظهر ذلك عندما يُقاس نجاح الطالب بقدرته على استعادة الإجابة النموذجية أكثر من قدرته على تحليلها، فتغدو الذاكرة بديلاً عن التفكير.

ومع ذلك، فإن الثقافة العراقية ليست جامدة ولا عاجزة عن التكيف. فقد أثبت المجتمع العراقي، عبر عقود من التحولات والأزمات، قدرة كبيرة على الصمود. غير أن التحدي الحقيقي هو تحويل هذا التكيف إلى تجديد مؤسسي وثقافي؛ فالتكيف يحافظ على البقاء، أما التجديد فيبني المستقبل.

ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن الدول التي حققت قفزات تنموية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا وبولندا بعد عام 1989، لم تبدأ نهضتها بالمشروعات العملاقة، بل بإصلاح التعليم، وترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسسات تكافئ الكفاءة وتشجع التفكير النقدي.

ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا تُعد العدالة قيمة أخلاقية فحسب، بل أصلاً اقتصادياً. فعندما يثق المواطن والمستثمر بأن القانون يُطبق على الجميع، تنخفض كلفة الأعمال ويزداد الاستثمار والإنتاج. أما عندما تصبح العدالة انتقائية، فإن النفوذ يحل محل القانون، وتفقد السوق قدرتها على مكافأة الأكثر كفاءة.

وينطبق الأمر نفسه على الفساد، الذي لا يبدد المال العام فحسب، بل يغيّر قواعد المنافسة، ويجعل النجاح أقرب إلى النفوذ منه إلى الجدارة. وفي الإدارة العامة، لا تكون المشكلة دائماً في نقص الكفاءات، بل في بيئة تكافئ الامتثال أكثر من المبادرة.

مواقف مسبقة

ولعل الجدل حول مراجعة الدستور أو تعديل بعض القوانين الأساسية يقدم مثالاً واضحاً على أثر الوصاية الفكرية. فكثيراً ما يتحول النقاش إلى اصطفافات ومواقف مسبقة، بدلاً من تقييم النصوص في ضوء التجربة وقياس أثرها على كفاءة الدولة. والمشكلة ليست في المراجعة أو رفضها، بل في غياب ثقافة تجعل الاحتكام إلى الدليل مقدماً على الانتماء.

ويبقى السؤال الأهم: لماذا تستمر الوصاية الفكرية رغم كلفتها؟ والإجابة، من منظور الاقتصاد السياسي، أنها قد تخدم منظومة من الحوافز تجعل بقاءها أقل كلفة على بعض القوى من التغيير. فالعقل الحر يطالب بالمساءلة، بينما تساعد الوصاية على إعادة إنتاج موازين القوة، فيصبح الدفاع عنها دفاعاً عن مصالح، لا عن أفكار فقط.

كما لا يمكن إغفال أثر البيئة الإقليمية والدولية في تغذية بعض أنماط الاستقطاب الفكري، غير أن هذه التأثيرات لا تصبح حاسمة إلا عندما تجد بيئة داخلية تسمح لها بالتمدد. فالمناعة الحقيقية تُبنى بمؤسسات قوية وثقافة نقدية، لا بالعزلة.

وفي المقابل، لا تستطيع الدولة وحدها كسر هذه الحلقة. فالمجتمع المدني، والجامعات، والنقابات المهنية، والإعلام المسؤول، ومراكز البحث، جميعها فضاءات ضرورية لإنتاج المعرفة وتعزيز ثقافة المساءلة.

وليس المقصود بالدعوة إلى تحرير العقل التحرر من القيم أو المرجعيات، بل التحرر من الوصاية التي تعطل وظيفة العقل التي كرّمها القرآن الكريم، إذ يقول تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 18].

لقد ناقشت سابقاً كيف يمكن أن يستمر الاستقرار دون أن يقود إلى التنمية، ثم تناولت مؤشرات استعادة الدولة. أما اليوم، فأضيف أن أي إصلاح سيظل معرضاً للتراجع ما لم يتحرر العقل من الوصاية التي تعيد إنتاج الجمود جيلاً بعد جيل.

فالدول لا تنهض عندما تمتلك أفضل الأفكار، بل عندما تمتلك الشجاعة لمراجعتها.

 وما يميز الأمم الحية ليس أنها لا تخطئ، بل أنها لا تسمح لأي فكرة أو مؤسسة أو سلطة أن تصبح فوق النقد والمراجعة. فقبل أن نبني الدولة… علينا أن نحرر العقل.


مشاهدات 84
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/07/18 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/07/19 - 4:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 230 الشهر 19926 الكلي 15925053
الوقت الآن
الأحد 2026/7/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير